1. مفهوم الحوكمة

 

تمهيد:

 لقد أصبحت الحوكمة الشغل الشاغل لدى جميع المنظمات والدول على حد سواء، وقد حظي الاهتمام بهذا المفهوم مع نهاية عقد الثمانينات من القرن العشرين، على أثر طرح البنك الدولي له ولهذا نجد بان مفهوم الحوكمة قد شغل أفكار الكثير من الفقهاء وشراح القانون في العصر الحديث، بحيث لم يعد هذا المفهوم أمرا استثنائيا على الدول، بل أصبح ضرورة حتمية لكل دولة نخر الفساد مؤسساتها.
وعلى هذا الأساس نحاول التعرف على مدلول الحوكمة في المحاضرة

 1- مفهوم الحوكمة :

الحوكمة لغة:

وفقا للمعجم الوسيط مشتقة من الفعل الثلاثيحكم " أي بمعنى قضى، ويقال : حكم له وحكم عليه، وحكم بينهم، فالحكم إذن هو القضاء بين الناس"

وقد كانت العرب في الجاهلية تنعت شيخ القبيلة بالحكيم لأنه المدبر والمرشد لهم في مختلف أمور حياتهم المختلفة، ويساعده في هذه الإدارة مجلس من كبار الشيوخ الذين خبروا الحياة بكل معانيها، كتمتعهم بعلم الفراسة والذكاء الحاد، ولذلك نجد أنّ العديد من الأنظمة السياسية في العالم تعتمد في أنظمتها نظام الغرفتين.

*       الحوكمة اصطلاحاً:

يعود أصل كلمة حكم Governance  في الغرب إلى العصر اليوناني، وهي من الفعل kubernân، وقد استعملت لأول مرة من طرف الفيلسوف اليوناني ، أفلاطون لكي يوضح معنى حكم الأفراد أو تسيير البشر، والذي يرادفه في وقتنا الحالي مصطلح تسيير الموارد البشرية، أي الاهتمام بالمورد البشري  وضرورة ترقيته

أما في فرنسا فإنّ كلمة حكم" gouvernance "   اتيمولوجيا لها نفس المصدر مع مفردة الحكومة gouvernement  وهي مشتقة من الفعل اللاتيني  gubernarالذي اشتق من الفعل اليوناني kubernân ، والذي يعني قيادة أو توجيه الباخرة،"diriger le navire" ، ثم تعمم المصطلح على الاقتصاد والمؤسسات بصفة عامة وطريقة تسييرها.

ولهذا فإنّ هناك شبه إجماع بين الباحثين والمفكرين على أنّ أصل كلمة  GOUVERNANCE  يرجع في اللغة الفرنسية إلى القرن الثالث عشر عندما استعملت كمرادف لمصطلح الحكومة Gouvernement ، وقد كان معنى الكلمة آنذاك تكاليف التسيير"  CHARGE DE GOUVERNANTE"  بداية من سنة 1679  ثم تم ترقيته إلى مصطلح قانوني سنة.1978   واختفى هذا المصطلح من الوجود إلى غاية الثمانينيات من القرن العشرين مثله مثل مصطلح المجتمع المدني، ولذلك هما مكونان أساسيان من مكونات التنمية.

Ø     وقد عرف الحكم الرشيد سنة 1992 بما يلي : "الحكم الرشيد مرادف للتسيير الاقتصادي الفعال والأمثل الذي يسعى للإجابة عن مختلف الانتقادات الخاصة، والموجهة للدول والمؤسسات التي تشكك في الإصلاحات الهيكلية المسيرة بطريقة علوية، أي من الأعلى نحو الأسفل والتي أدت إلى فراغ مؤسساتي بدل تعبئة قدرات وطاقات المجتمع التي يزخر بها

Ø     أما لجنة الحكم العالمي فقد عرفت الحكم الرشيد بأنه:  " مجموع الطرق والأساليب المشتركة بين الدولة والمواطنين والخواص من أجل تسيير شؤونهم المشتركة بطريقة مستمرة على أساس من التعاون والتوفيق بين المصالح المتفق أو المختلف عليها من أجل الخير العام."

Ø     في حين فإن منظمة الشفافية الدولية ترى بأنّ الحكم الرشيدهو الغاية الحاصلة من تكاتف جهود كل من الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني ومختلف المواطنين في مكافحة ظاهرة الفساد، بداية من جمع المعلومات وتحليلها ونشرها لزيادة الوعي العام حول الظاهرة، وخلق آليات تمكن هذه الأطراف من القضاء على الظاهرة أو على الأقل التقليص منها لأنها أو باختصار تمثل معظم الداء إن لم نقل الداء كله.

Ø     أما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فقد كان أكثر شمولية في تعريفه لأسلوب الحكم حين أكد على أنه: "ممارسة السلطة الاقتصادية والسياسية والإدارية لإدارة شؤون الدولة على كافة المستويات، وشمل ذلك الآليات والعمليات والمؤسسات التي يمكن للأفراد والجماعات من خلالها التعبير عن مصالحهم، وممارسة حقوقهم القانونية، والوفاء بالتزاماتهم وتسوية خلافاتهم".

Ø     أما بالنسبة للدولة الجزائرية فقد تبنت ميثاق الحكم الراشد للمؤسسات الجزائرية الصادرة سنة  2009 بالشراكة بين وزارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة كالصناعات التقليدية ومنتدى رؤساء المؤسسات.

Ø     وجاء في الميثاق أن الحوكمة في معناها الشامل هي " تلك العملية الإدارية والتطوعية للمؤسسة من اجل إدخال المزيد من الشفافية والصرامة في تسييرها وإدارتها ومراقبتها".

Ø     أما عن المُشرع الجزائري فقد أولى اهتمام كبير لهذا المفهوم في السنوات الأخيرة، بحيث ذكر مصطلح الحكم الراشد في المادة (192) من القانون 16-01 المؤرخ في 06/03/2014 المتضمن التعديل الدستوري والتي نصت كالأتي: يتمتع مجلس المحاسبة بالشفافية ويكلف بالرقابة البعدية لأموال الدولة والجماعات الإقليمية والمرافق العمومية، وكذلك رؤوس الأموال التجارية التابعة للدولة ويساهم مجلس المحاسبة في تطوير الحكم الراشد والشفافية في تسيير الأموال العمومية