مفهوم الحوكمة، مكوناتها ومبادئها

Site: Plateforme MOODLE Elearning - Cours en ligne
Cours: الحوكمة و أخلاقيات المهنة
Livre: مفهوم الحوكمة، مكوناتها ومبادئها
Imprimé par: Guest user
Date: mercredi 22 juillet 2026, 00:36

Description


1. مفهوم الحوكمة

 

تمهيد:

 لقد أصبحت الحوكمة الشغل الشاغل لدى جميع المنظمات والدول على حد سواء، وقد حظي الاهتمام بهذا المفهوم مع نهاية عقد الثمانينات من القرن العشرين، على أثر طرح البنك الدولي له ولهذا نجد بان مفهوم الحوكمة قد شغل أفكار الكثير من الفقهاء وشراح القانون في العصر الحديث، بحيث لم يعد هذا المفهوم أمرا استثنائيا على الدول، بل أصبح ضرورة حتمية لكل دولة نخر الفساد مؤسساتها.
وعلى هذا الأساس نحاول التعرف على مدلول الحوكمة في المحاضرة

 1- مفهوم الحوكمة :

الحوكمة لغة:

وفقا للمعجم الوسيط مشتقة من الفعل الثلاثيحكم " أي بمعنى قضى، ويقال : حكم له وحكم عليه، وحكم بينهم، فالحكم إذن هو القضاء بين الناس"

وقد كانت العرب في الجاهلية تنعت شيخ القبيلة بالحكيم لأنه المدبر والمرشد لهم في مختلف أمور حياتهم المختلفة، ويساعده في هذه الإدارة مجلس من كبار الشيوخ الذين خبروا الحياة بكل معانيها، كتمتعهم بعلم الفراسة والذكاء الحاد، ولذلك نجد أنّ العديد من الأنظمة السياسية في العالم تعتمد في أنظمتها نظام الغرفتين.

*       الحوكمة اصطلاحاً:

يعود أصل كلمة حكم Governance  في الغرب إلى العصر اليوناني، وهي من الفعل kubernân، وقد استعملت لأول مرة من طرف الفيلسوف اليوناني ، أفلاطون لكي يوضح معنى حكم الأفراد أو تسيير البشر، والذي يرادفه في وقتنا الحالي مصطلح تسيير الموارد البشرية، أي الاهتمام بالمورد البشري  وضرورة ترقيته

أما في فرنسا فإنّ كلمة حكم" gouvernance "   اتيمولوجيا لها نفس المصدر مع مفردة الحكومة gouvernement  وهي مشتقة من الفعل اللاتيني  gubernarالذي اشتق من الفعل اليوناني kubernân ، والذي يعني قيادة أو توجيه الباخرة،"diriger le navire" ، ثم تعمم المصطلح على الاقتصاد والمؤسسات بصفة عامة وطريقة تسييرها.

ولهذا فإنّ هناك شبه إجماع بين الباحثين والمفكرين على أنّ أصل كلمة  GOUVERNANCE  يرجع في اللغة الفرنسية إلى القرن الثالث عشر عندما استعملت كمرادف لمصطلح الحكومة Gouvernement ، وقد كان معنى الكلمة آنذاك تكاليف التسيير"  CHARGE DE GOUVERNANTE"  بداية من سنة 1679  ثم تم ترقيته إلى مصطلح قانوني سنة.1978   واختفى هذا المصطلح من الوجود إلى غاية الثمانينيات من القرن العشرين مثله مثل مصطلح المجتمع المدني، ولذلك هما مكونان أساسيان من مكونات التنمية.

Ø     وقد عرف الحكم الرشيد سنة 1992 بما يلي : "الحكم الرشيد مرادف للتسيير الاقتصادي الفعال والأمثل الذي يسعى للإجابة عن مختلف الانتقادات الخاصة، والموجهة للدول والمؤسسات التي تشكك في الإصلاحات الهيكلية المسيرة بطريقة علوية، أي من الأعلى نحو الأسفل والتي أدت إلى فراغ مؤسساتي بدل تعبئة قدرات وطاقات المجتمع التي يزخر بها

Ø     أما لجنة الحكم العالمي فقد عرفت الحكم الرشيد بأنه:  " مجموع الطرق والأساليب المشتركة بين الدولة والمواطنين والخواص من أجل تسيير شؤونهم المشتركة بطريقة مستمرة على أساس من التعاون والتوفيق بين المصالح المتفق أو المختلف عليها من أجل الخير العام."

Ø     في حين فإن منظمة الشفافية الدولية ترى بأنّ الحكم الرشيدهو الغاية الحاصلة من تكاتف جهود كل من الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني ومختلف المواطنين في مكافحة ظاهرة الفساد، بداية من جمع المعلومات وتحليلها ونشرها لزيادة الوعي العام حول الظاهرة، وخلق آليات تمكن هذه الأطراف من القضاء على الظاهرة أو على الأقل التقليص منها لأنها أو باختصار تمثل معظم الداء إن لم نقل الداء كله.

Ø     أما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فقد كان أكثر شمولية في تعريفه لأسلوب الحكم حين أكد على أنه: "ممارسة السلطة الاقتصادية والسياسية والإدارية لإدارة شؤون الدولة على كافة المستويات، وشمل ذلك الآليات والعمليات والمؤسسات التي يمكن للأفراد والجماعات من خلالها التعبير عن مصالحهم، وممارسة حقوقهم القانونية، والوفاء بالتزاماتهم وتسوية خلافاتهم".

Ø     أما بالنسبة للدولة الجزائرية فقد تبنت ميثاق الحكم الراشد للمؤسسات الجزائرية الصادرة سنة  2009 بالشراكة بين وزارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة كالصناعات التقليدية ومنتدى رؤساء المؤسسات.

Ø     وجاء في الميثاق أن الحوكمة في معناها الشامل هي " تلك العملية الإدارية والتطوعية للمؤسسة من اجل إدخال المزيد من الشفافية والصرامة في تسييرها وإدارتها ومراقبتها".

Ø     أما عن المُشرع الجزائري فقد أولى اهتمام كبير لهذا المفهوم في السنوات الأخيرة، بحيث ذكر مصطلح الحكم الراشد في المادة (192) من القانون 16-01 المؤرخ في 06/03/2014 المتضمن التعديل الدستوري والتي نصت كالأتي: يتمتع مجلس المحاسبة بالشفافية ويكلف بالرقابة البعدية لأموال الدولة والجماعات الإقليمية والمرافق العمومية، وكذلك رؤوس الأموال التجارية التابعة للدولة ويساهم مجلس المحاسبة في تطوير الحكم الراشد والشفافية في تسيير الأموال العمومية

2. المكونات الرئيسية للحوكمة

2- المكونات الرئيسية للحوكمة:

1.2. إحلال الديمقراطية: إن كانت الديمقراطية تعني حكم الشعب فإن السلطة أو الحكم يدار من قبل المواطنين، يمارسونه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فالديمقراطية باعتبارها مجموعة أفكار ومبادئ تتعلق بالحرية، تتضمن مجموعة من الممارسات والإجراءات كالتمثيل السياسي العادل والانتخابات الحرة والحقوق المتساوية، والحريات الفردية، والمحاسبة والتسامح ، فهي تقوم على المبادئ الأساسية الآتية:

·        الحقوق الأساسية: وتتعلق بمبدأ تمكين المواطنين من المشاركة الحرة في اختيار الحاكم والمساهمة في القرارات السياسية.

·        الحقوق المدنية : وتتجسد في الحريات المدنية التي توفر للقوانين إمكانية التعبير بحرية عن أفكارهم بعيدا عن أراء الدولة.

·        الضوابط المؤسساتية: وتتمثل في حماية الحقوق وتطبيق القوانين بالصرامة الازمة وضبط صلاحيات المسؤلين وفقا للقوانين الصادرة عن الدولة.

فالديمقراطية هي المؤشر الرئيسي من وجهة نظر السياسة على وجود الحوكمة وبهذا الشأن لا بد أن تقوم على ما يلي:

ü     الحرية في إنشاء وتشكيل المنظمات والجمعيات والأحزاب والانضمام إليها.

ü     ضمان حرية التعبير لكافة المواطنين دون استثناء.

ü     الحق في التصويت والمشاركة في الانتخابات والحق في الترشح.

ü     فتح المناصب العامة أمام المواطنين وفق قدرات ومؤهلات محددة دون تمييز

ü     ضمان حرية الانتخابات وشفافيتها.

2.2. الأنظمة الانتخابية:

يقصد بالأنظمة الانتخابية الأنماط الانتخابية، وهي تشير إلى استعمال قواعد فنية قصد الترجيح بين المترشحين في الانتخاب. وعادة ما تعرف بالأساليب والطرق المستعملة لعرض المترشحين على الناخبين فرز النتائج و تحديدها

النظام الانتخابي، بالمعنى الواسع، يحول الأصوات المدلي بها في انتخاب عام إلى مقاعد مخصصة للأحزاب والمرشحين، إذ أن لديه تأثير كبير على النظام الحزبي القائم فعندما نحدد نظام انتخابي معين نكون قد حددنا أحد الاختيارين سواء إعطاء أفضلية لحكومة ائتلافية أو منح حزب معين سيطرة الأكثرية.

3.2. اللامركزية:

تعرف Décentralisation  على أنها:  " قيام جماعات محلية تجمعها روابط تاريخية واجتماعية وثقافية ومصالح ذاتية مشتركة، ضمن نطاق جغرافي محدد بإدارة نفسها بنفسها، عن طريق مجالس منتخبة، تتمتع بالشخصية المعنوية وتستقل عن السلطة المركزية إداريا، لكنها في الجانب الإشرافي تبقى خاضعة لرقابتها وفقا لما تحدده القوانين والأنظمة المعمول بها في الدولة".

وبسبب إخفاق الحكومات المركزية في تقديم الخدمات العامة بكفاءة وفعالية، دفع هذا الأمر إلى ضرورة إعادة النظر في دور الحكومة ليتسع نطاق هذا الدور من المستوى المركزي الرسمي ليشمل مستويات محلية أدنى منه، وهذا ما أدى إلى ظهور فكرة اللامركزية التي توفر العروض الملائمة لتحقيق الخدمات العامة، مع المطالب والتفضيلات المحلية، ولبناء حكم أكثر تجاوبا وخضوعا للمساءلة من القاعدة.

وبفهم حقيقة الإدارة المحلية ودورها الحساس في التنمية، نصل إلى المعنى الحقيقي للامركزية أين تصبح السلطات المحلية حلقة وصل بين المواطنين (القاعدة) وبين الحكومة المركزية ( القمة) لا أن تكون منفصلة عنه وبعيدة عن آماله وتطلعاته.

4.2. حكم القانون (سيادة القانون):

بمعني أن الجميع، حُكاما ومسؤولين ومواطنين يخضعون للقانون ولا شيء يسمو على القانون، ويجب أن تطبق الإحكام والنصوص القانونية بصورة عادلة وبدون تمييز بين أفراد المجتمع وأن توافق هذه القوانين معايير حقوق الإنسان، وتكون ضمانة لها ولحريات الإنسان الطبيعية.

        إن وجود القانون العادل وسيادته مقدمة ضرورية لخلق بيئة آمنة ومعروفة مسبقا لحياة وعمل المواطنين

-       فالدولة وحدها لا تستطيع إقامة الحكم الرشيد بدون مشاركة المجتمع المدني والقطاع الخاص، ولكي يطبق القانون يستوجب وجود المؤسسات والهيئات المعنية بذلك من مؤسسات قضائية وأجهزة أمنية ومؤسسات عقابية ...الخ وبقدر ما تكون هذه المؤسسات جيدة التنظيم، يعمل بها أناس أكفاء، بقدر ما يطبق القانون بصورة عادلة.

-       إن وجود القانون العادل، وتطبيقه على الجميع بدون تميز أو مجموعة محاباة، هو من مبادئ الحكم الرشيد، ويعتبر من وجهة نظر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، شرطا ضروريا لتحقيق التنمية المستدامة، " والقضاء على الفقر، وخلق فرص العمل، وتامين مقومات معيشة كافية، وحماية البيئة وتجديدها".

تختلف الدساتير من بلد إلى أخر فهناك دساتير لنظم الحكم جمهورية رئاسية، برلمانية، وهنالك دساتير لأنظمة حكم ملكية دستورية، أو ملكية نسبية، وهنالك دول عريقة لا يوجد فيها دستور مكتوب، بل عرف مثل بريطانيا،

تفصيل الدساتير عادة بين هيئات الحكم الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتوزع الصلاحيات عليها، وتحديد الضوابط لعمل كل منها

-       إن وجود الدستور الجيد وتطبيقه والعادل شرط ضروري للحكم الرشيد.


3. مبادئ وقواعد الحوكمة

3. مبادئ وقواعد الحوكمة:

1.3. الفصل بين السلطات:

إن ما يساعد على بناء نظام النزاهة الوطني ( الحوكمة أو الحكم الراشد) هو الفصل المتوازن بين سلطات النظام السياسي الثلاث ( التنفيذية والتشريعية و القضائية) وتفعيل الرقابة المتبادلة بينها واحترام كل منها للاختصاصات الوظيفية المنوطة بالسلطة الأخرى وفقا للقواعد الدستورية والقانونية ، ومن الأسس التي يقوم عليها مبدأ الفصل بين السلطات في النظام الديمقراطي:

-       ضرورة وجود ثلاث سلطات أساسية في النظام السياسي وهي السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية

-       تتمتع كل سلطة منها بصلاحيات واختصاصات أصلية ومحدد في القانون الأساسي (الدستور)

-       تتمتع كل سلطة منها بالاستقلال النسبي عن الأخريات في عملها وفي آليات اتخاذ القرارات وبما يسند لها من صلاحيات

-       وجود رقابة متبادلة وفعالة بين السلطات بحيث تمارس كل منها صلاحياتها تحت رقابة السلطات الأخرى او رقابة اي جهة دستورية مفوضة من الشعب.

2.3. الاستقلالية القضائية:

تولي الدول الحديثة أهمية قصوى للسلطة القضائية وتعتبرها لب العملية الديمقراطية، كما تسعى جاهدة إلى إرساء مبدأ استقلالية القضاء، الذي يضل الغاية المنشودة في كل الأنظمة . وتتألف السلطة القضائية من مختلف الهيئات والمؤسسات التي تسهر على تطبيق القانون، وتتكون عموما من القضاة والادعاء العام ونوابه، ومختلف المحاكم العليا والدستورية...الخ.

تضطلع السلطة القضائية بمسؤولية تفسير القوانين وإصدار الأحكام في أي خلافات قد تنشأ بين المواطنين أو بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما تسند لها مهمة التأكد من مدى مطابقة الأنظمة واللوائح والقوانين مع دستور الدولة، وإصدار الأحكام في المخالفات التي تقع في حق المواطنين من قبل الأجهزة الحكومية، زيادة على دورها في تحقيق العدالة،  ويعمل القضاة بشكل مستقل، ولا يعني هذا الاستقلال أنهم يستطيعون اتخاذ قرارات بناء على أهواء شخصية، بل يجب أن تكون أحكامهم القضائية عادلة ومنصفة ومستندة إلى الحجج القانونية وفقرات الدستور ذات الصلة.

ولهذا يعد استقلال هذه الهيئة أحد أهم العوامل الجوهرية لقيام الحكم الرشيد، ولذلك كان تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية في شؤون مؤسسة القضاء عبر اقتراح الحكومة لمشروعات القوانين والمشاركة في اختيار من يتولون المناصب الرئيسية في سلك القضاء أحد أهم العوامل التي أدت إلى إعاقة دور المؤسسة القضائية في تكريس الحكم الرشيد.

3.3. المجتمع المدني:

لقد ارتبط ظهور مصطلح المجتمع المدني بالموازاة مع ظهور نظريات العقد الاجتماعي لاسيما في القرن الثامن عشر، خاصة في أوربا على يدي كل من ماركس وهيجل، ليندثر هذا الاهتمام مع بداية القرن العشرين، حينما سادت العديد من الدكتاتوريات في العالم نتيجة الحربين العالميتين، لكن تحولت الأمور فيما بعد ليعود مصطلح المجتمع المدني إلى البروز وبقوة في العقد الأخير من القرن العشرين، أين أصبح يلعب الدور الكبير في ترسيخ العملية الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، بل وقد وصل الأمر بالمجتمع المدني إلى حد فرض الرقابة على أعمال ونشاطات الحكومات في الدول المتقدمة، تجسيدا للوجود الحقيقي للمجتمع المدني الذي يفترض فيه أن يكون معارضا في الأساس للسلطة، لا أن يكون مشكلا من الطبقات البرجوازية التي تكون دائما في تحالف مع الدولة بغرض تحقيق مصالحها.

 فالمجتمع المدني يقوم جنبا إلى جنب مع مؤسسات الدولة، حتى وإن كان في الأساس مضادا لها أو لوجودها فهو مطالب بالقيام بدوره الرقابي والمساءلة العامة، وتقويم السياسات الخاطئة عن طريق المعارضة البناءة والايجابية.

ويعرف المجتمع المدني بأنه: بأنه المجتمع الّذي يتلاشى فيه دور السلطة إلى المستوى الّذي يتقدم فيه دور المجتمع على دور الدولة، بل ويذهب فريق آخر إلى اعتبار السلطة وجوداً معارضاً ومواجهاً لوجود الدولة، لذا يجب تقليص دورها ليسود دور المجتمع".

3. 4. استقلالية وسائل الإعلام:

مهمة الإعلام في المجتمع المدني الديمقراطي هي التواصل الحي مع الجمهور كرقيب ناقد لكل من القوى السياسية والقوى الاقتصادية والسلطات التنفيذية في ممارسة أدوارها ضمن مسيرة البناء الديمقراطي، ويضمن القانون الدولي حرية التعبير عن الرأي، من خلال مستندات عديدة الحقوق الإنسان وبشكل خاص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تشمل التعبير الثقافي والفنون بقدر ما تشمل تبادل المعلومات والأفكار والمناقشة السياسية، حرية التعبير، هذه الحرية التي تعتبر الحجر الأساس للحريات الديمقراطية ويعد دور وسائل الإعلام أساسياً لممارسة حرية التعبير .

ولان الديمقراطية تعد أكثر من مجرد مجموعة مؤسسات بل هي أيضا ثقافة بحد ذاتها، فبدون وسائل الإعلام، يستحيل على ثقافة الديمقراطية أن تنمو وعلى المجتمع أن يطور العادات والممارسات المكتسبة وتبادل الآراء والأفكار والمعلومات.

وفي العالم العصري، تعتمد الديمقراطية على وسائل الإعلام السليمة والمتعددة والمتنوعة والمستقلة التي يمكنها أن توفر منصة للنقاش الديمقراطي وتلعب وسائل الإعلام دورا حاسماً لأنها توفر الفضاء الاجتماعي الذي يمارس من خلاله حق التعبير بشكل فعال، والديمقراطية ثقافة – طريقة تصرًف وعادات وقواعد صغيرة.

 يقول ألكسندر دي تو كفيل في كتابه الديمقراطية في أميركا أن قوة أمريكا لا تكمن فقط في مؤسساتها– الفيدرالية وفصل السلطات والقضاة المستقلين بل أيضا في خيرة الشعب وممارسته الديمقراطية بشكل محلي ويومي.

ومن الصعب تخيل وجود حكم راةةشد ووجود حكومة فاعلة وفعالة ومتجاوبة مع شعبها دون وجود قطاع إعلامي متميز وقوي ويتسم بالمهنية والاستقلالية، عكس ما هو عليه الحال في الجزائر سواء في فترة التعددية أو ما قبل التعددية، فوسائل الإعلام المحلية تابعة للدولة لا مخرجات لها دون رقابة الدولة، أما وسائل الإعلام الأجنبية فهي خاضعة للاعتبارات الأيديولوجية التي كثيرا ما تبالغ في تضخيم الأحداث والوقائع من أجل تحقيق مصالح أطراف معينة.

5.3. آليات المساءلة والشفافية

يعتبر مصطلح الشفافية والمساءلة ركناً أساسيا ومهما من مقومات الحكم الرشيد في حياة الشعوب المتقدمة والتي تؤمن بالنهج الديمقراطي البناء، من خلال الحوار الهادف في عملية المكاشفة والمحاسبة، وتعتبر الشفافية والمساءلة مفهومان مترابطان كل منهم يعزز من وجود الآخر، لأنّ غياب الشفافية لا يسمح بوجود المساءلة، وما لم تكن هناك مساءلة فلن يكون بالتأكيد للشفافية أية قيمة، في ظل غياب المساءلة فكثيرا ما نجد شخصيات ودول ومؤسسات ترتبك لمجرد سماعها كلمة شفافية أو مساءلة، لمعرفتهم الحقيقية بتبعاتها.

ونعني بالمساءلة:  وجود نظام ديمقراطي يضمن خضوع الحاكمين للمساءلة أمام المحكومين مما يحفزهم على تخصيص الموارد بكفاءة وفعالية لضمان استمراريتهم في الحكم، ويرى أولسون (Olson)  أنّ النظام الديمقراطي يلزم الحكام بتجنب السعي نحو تحقيق مصالح ذاتية أنانية، ويفرض عليهم وضع السياسات العامة التي تحقق وتخدم المصلحة العامة ضمانا لاستمرار التأييد والقبول الشعبي.

ويرجع ذلك أن المساءلة هي الأداة الرئيسية لمكافحة الفساد الإداري الذم أصبح ظاهرة عالمية لها العديد من الآثار السلبية، كما أنها أداة مهمة لتحقيق الكفاءة والفعالية لأي منظمة، بعبارة أخرى أن المساءلة هي أولى حلقات التطوير والإصلاح الإداري على السواء، وهو لا يمثل بحال  أسهاما نظريا جديد، إذا أن له جذور سابقة في الفكر الإداري كالسياسي، إذا أكد أغلب الباحثين في مجال الإدارة كالتنظيم إلى ضرورة القيام بعملية الرقابة كالمساءلة لضمان توجه أدارة المنظمة نحو هدف خدمة المصلحة العامة و أشاروا إلى التدقيقات المؤسسية تضمن تحقيق إذا كاف إداري يتوافق مع المصلحة العامة.

ويرتبط مفهوم المساءلة بعملية الإصلاح الإداري، حيث تعمل المساءلة عند تطبيقيا بالشكل المناسب عمى تخليص المؤسسة من أبعاد المحسوبية وتدفعها نحو الاستقامة والعمل وفق قواعد الجدارة وتكافؤ الفرص، حيث توجه المساءلة الإدارية رسالة هادفة أساسها الإصلاح كالتقويم ورفع كفاءة أداء العاملين، فالقانون التأديبي يحدد الواجبات والجزاءات ويهدف إصلاح الموظفين وتقويمهم ورفع كفاءتهم الإنتاجية والمساءلة هي جملة من العمليات والأساليب التي يتم بمقتضاها التحقق من أن الأمور تسير وفقا لما هو مخطط لها، وضمن أقصي المستطاع، ولذلك فالمساءلة ليس تحقيقا أو محاكمة، بل القصد منها التحقيق من أن الأداء يتم ضمن الأطر التي حددتها الأهداف وفق المعايير المتفق عليها للوصول بالنظام إلى مستوى متميز من الكفاءة والفاعلية.

ولقد أورد الجغبير خمسة مبادئ للمساءلة، هي كما يلي :

-        وضوح قواعد النظام وعواقب المخالفاتأن يدرك العاملون إدراكا واضحا للقواعد المطلوب الالتزام بها وعواقب مخالفتها.

-       المباشر في تطبيق:  إيجاد ارتباط مباشر بين المخالفة وبين الجزاء، وليس معنى ذلك أن يتم العقاب في حال دون الدراسة والتحقيق في المخالفة وأسبابها.

-       عدالة تطبيق الجزاء: وذلك بموجب قناعة العاملين بعدالة تطبيق الجزاء حتى يتقبلوها من دون تدمر، وان تكون الجزاءات متوقعة أي يجب أن يكون هناك تحفيز واضح محدد بنوع الجزاء أمن يرتكبها.

-       المساواة والتجانس في نوع العقوبة:  بحيث يجب أن يفهم العامل أن  العقوبة لا ترتبط بالشخص المخالف لكن ترتبط بنوع المخالفة، وأن من يرتكب المخالفة نفسها توقع عليه العقوبة نفسها أسوة بغيره دون تحيز

ونعني بالشفافية : يعتبر آخر رؤساء الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف أحسن من تحدث عن الشفافية في نهايات القرن العشرين، حينما تبني سياسة الغلاس نوست  Glass Noste، بمعنى الزجاج الشفاف، الذي لا يخفي الحقائق على الشعوب وهي ضد سياسة الديماغوجية والنفاق السياسي، وقد تم بموجب هذه السياسة الجديدة التي انتهجها غورباتشوف تحرير وسائل الإعلام وإعطائها الحرية والاستقلالية الكافية من دون رقابة الدولة، وقد كان هذا تمهيدا إلى الدخول في تحول ديمقراطي حقيقي في روسيا وريثة الاتحاد المتفكك.

وعليه يجب على الدولة أن تصدر قوانين تهتم بحرية المعلومات وتسمح للجمهور ولوسائل الإعلام المختلفة بالحصول على جميع الوثائق المتعلقة بعمل الحكومة والتشريعات والسجلات المختلفة، ومن هنا يبرز الدور الرقابي الفاعل للمجتمع المدني وكل اللجان الرقابية الأخرى لاسيما البرلمانية منها.

-       تعرف الشفافية أنها حق الأفراد بمعرفة ما يحدث داخل المنظمة العامة ليكونوا قادرين على إيضاح واستيضاح نشاط الحكومة.

-                   إذن فالشفافية والمساءلة تقتضيان أساسا فكرة إصلاح القوانين الإدارية، التي هي جزء من إستراتيجية مكافحة الفساد، كما يجب تفحص خلفية وظروف وضع تلك القوانين موضع التنفيذ من أجل ضمان وجود شفافية ومشاركة شعبية كافية.