مفهوم الحوكمة، مكوناتها ومبادئها
3. مبادئ وقواعد الحوكمة
3. مبادئ وقواعد الحوكمة:
1.3. الفصل بين السلطات:
إن ما يساعد على بناء نظام النزاهة الوطني ( الحوكمة أو الحكم الراشد) هو الفصل المتوازن بين سلطات النظام السياسي الثلاث ( التنفيذية والتشريعية و القضائية) وتفعيل الرقابة المتبادلة بينها واحترام كل منها للاختصاصات الوظيفية المنوطة بالسلطة الأخرى وفقا للقواعد الدستورية والقانونية ، ومن الأسس التي يقوم عليها مبدأ الفصل بين السلطات في النظام الديمقراطي:
- ضرورة وجود ثلاث سلطات أساسية في النظام السياسي وهي السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية
- تتمتع كل سلطة منها بصلاحيات واختصاصات أصلية ومحدد في القانون الأساسي (الدستور)
- تتمتع كل سلطة منها بالاستقلال النسبي عن الأخريات في عملها وفي آليات اتخاذ القرارات وبما يسند لها من صلاحيات
- وجود رقابة متبادلة وفعالة بين السلطات بحيث تمارس كل منها صلاحياتها تحت رقابة السلطات الأخرى او رقابة اي جهة دستورية مفوضة من الشعب.
2.3. الاستقلالية القضائية:
تولي الدول الحديثة أهمية قصوى للسلطة القضائية وتعتبرها لب العملية الديمقراطية، كما تسعى جاهدة إلى إرساء مبدأ استقلالية القضاء، الذي يضل الغاية المنشودة في كل الأنظمة . وتتألف السلطة القضائية من مختلف الهيئات والمؤسسات التي تسهر على تطبيق القانون، وتتكون عموما من القضاة والادعاء العام ونوابه، ومختلف المحاكم العليا والدستورية...الخ.
تضطلع السلطة القضائية بمسؤولية تفسير القوانين وإصدار الأحكام في أي خلافات قد تنشأ بين المواطنين أو بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما تسند لها مهمة التأكد من مدى مطابقة الأنظمة واللوائح والقوانين مع دستور الدولة، وإصدار الأحكام في المخالفات التي تقع في حق المواطنين من قبل الأجهزة الحكومية، زيادة على دورها في تحقيق العدالة، ويعمل القضاة بشكل مستقل، ولا يعني هذا الاستقلال أنهم يستطيعون اتخاذ قرارات بناء على أهواء شخصية، بل يجب أن تكون أحكامهم القضائية عادلة ومنصفة ومستندة إلى الحجج القانونية وفقرات الدستور ذات الصلة.
ولهذا يعد استقلال هذه الهيئة أحد أهم العوامل الجوهرية لقيام الحكم الرشيد، ولذلك كان تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية في شؤون مؤسسة القضاء عبر اقتراح الحكومة لمشروعات القوانين والمشاركة في اختيار من يتولون المناصب الرئيسية في سلك القضاء أحد أهم العوامل التي أدت إلى إعاقة دور المؤسسة القضائية في تكريس الحكم الرشيد.
3.3. المجتمع المدني:
لقد ارتبط ظهور مصطلح المجتمع المدني بالموازاة مع ظهور نظريات العقد الاجتماعي لاسيما في القرن الثامن عشر، خاصة في أوربا على يدي كل من ماركس وهيجل، ليندثر هذا الاهتمام مع بداية القرن العشرين، حينما سادت العديد من الدكتاتوريات في العالم نتيجة الحربين العالميتين، لكن تحولت الأمور فيما بعد ليعود مصطلح المجتمع المدني إلى البروز وبقوة في العقد الأخير من القرن العشرين، أين أصبح يلعب الدور الكبير في ترسيخ العملية الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، بل وقد وصل الأمر بالمجتمع المدني إلى حد فرض الرقابة على أعمال ونشاطات الحكومات في الدول المتقدمة، تجسيدا للوجود الحقيقي للمجتمع المدني الذي يفترض فيه أن يكون معارضا في الأساس للسلطة، لا أن يكون مشكلا من الطبقات البرجوازية التي تكون دائما في تحالف مع الدولة بغرض تحقيق مصالحها.
فالمجتمع المدني يقوم جنبا إلى جنب مع مؤسسات الدولة، حتى وإن كان في الأساس مضادا لها أو لوجودها فهو مطالب بالقيام بدوره الرقابي والمساءلة العامة، وتقويم السياسات الخاطئة عن طريق المعارضة البناءة والايجابية.
ويعرف المجتمع المدني بأنه: بأنه المجتمع الّذي يتلاشى فيه دور السلطة إلى المستوى الّذي يتقدم فيه دور المجتمع على دور الدولة، بل ويذهب فريق آخر إلى اعتبار السلطة وجوداً معارضاً ومواجهاً لوجود الدولة، لذا يجب تقليص دورها ليسود دور المجتمع".
3. 4. استقلالية وسائل الإعلام:
مهمة الإعلام في المجتمع المدني الديمقراطي هي التواصل الحي مع الجمهور كرقيب ناقد لكل من القوى السياسية والقوى الاقتصادية والسلطات التنفيذية في ممارسة أدوارها ضمن مسيرة البناء الديمقراطي، ويضمن القانون الدولي حرية التعبير عن الرأي، من خلال مستندات عديدة الحقوق الإنسان وبشكل خاص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تشمل التعبير الثقافي والفنون بقدر ما تشمل تبادل المعلومات والأفكار والمناقشة السياسية، حرية التعبير، هذه الحرية التي تعتبر الحجر الأساس للحريات الديمقراطية ويعد دور وسائل الإعلام أساسياً لممارسة حرية التعبير .
ولان الديمقراطية تعد أكثر من مجرد مجموعة مؤسسات بل هي أيضا ثقافة بحد ذاتها، فبدون وسائل الإعلام، يستحيل على ثقافة الديمقراطية أن تنمو وعلى المجتمع أن يطور العادات والممارسات المكتسبة وتبادل الآراء والأفكار والمعلومات.
وفي العالم العصري، تعتمد الديمقراطية على وسائل الإعلام السليمة والمتعددة والمتنوعة والمستقلة التي يمكنها أن توفر منصة للنقاش الديمقراطي وتلعب وسائل الإعلام دورا حاسماً لأنها توفر الفضاء الاجتماعي الذي يمارس من خلاله حق التعبير بشكل فعال، والديمقراطية ثقافة – طريقة تصرًف وعادات وقواعد صغيرة.
يقول ألكسندر دي تو كفيل في كتابه الديمقراطية في أميركا أن قوة أمريكا لا تكمن فقط في مؤسساتها– الفيدرالية وفصل السلطات والقضاة المستقلين بل أيضا في خيرة الشعب وممارسته الديمقراطية بشكل محلي ويومي.
ومن الصعب تخيل وجود حكم راةةشد ووجود حكومة فاعلة وفعالة ومتجاوبة مع شعبها دون وجود قطاع إعلامي متميز وقوي ويتسم بالمهنية والاستقلالية، عكس ما هو عليه الحال في الجزائر سواء في فترة التعددية أو ما قبل التعددية، فوسائل الإعلام المحلية تابعة للدولة لا مخرجات لها دون رقابة الدولة، أما وسائل الإعلام الأجنبية فهي خاضعة للاعتبارات الأيديولوجية التي كثيرا ما تبالغ في تضخيم الأحداث والوقائع من أجل تحقيق مصالح أطراف معينة.
5.3. آليات المساءلة والشفافية
يعتبر مصطلح الشفافية والمساءلة ركناً أساسيا ومهما من مقومات الحكم الرشيد في حياة الشعوب المتقدمة والتي تؤمن بالنهج الديمقراطي البناء، من خلال الحوار الهادف في عملية المكاشفة والمحاسبة، وتعتبر الشفافية والمساءلة مفهومان مترابطان كل منهم يعزز من وجود الآخر، لأنّ غياب الشفافية لا يسمح بوجود المساءلة، وما لم تكن هناك مساءلة فلن يكون بالتأكيد للشفافية أية قيمة، في ظل غياب المساءلة فكثيرا ما نجد شخصيات ودول ومؤسسات ترتبك لمجرد سماعها كلمة شفافية أو مساءلة، لمعرفتهم الحقيقية بتبعاتها.
ونعني بالمساءلة: وجود نظام ديمقراطي يضمن خضوع الحاكمين للمساءلة أمام المحكومين مما يحفزهم على تخصيص الموارد بكفاءة وفعالية لضمان استمراريتهم في الحكم، ويرى أولسون (Olson) أنّ النظام الديمقراطي يلزم الحكام بتجنب السعي نحو تحقيق مصالح ذاتية أنانية، ويفرض عليهم وضع السياسات العامة التي تحقق وتخدم المصلحة العامة ضمانا لاستمرار التأييد والقبول الشعبي.
ويرجع ذلك أن المساءلة هي الأداة الرئيسية لمكافحة الفساد الإداري الذم أصبح ظاهرة عالمية لها العديد من الآثار السلبية، كما أنها أداة مهمة لتحقيق الكفاءة والفعالية لأي منظمة، بعبارة أخرى أن المساءلة هي أولى حلقات التطوير والإصلاح الإداري على السواء، وهو لا يمثل بحال أسهاما نظريا جديد، إذا أن له جذور سابقة في الفكر الإداري كالسياسي، إذا أكد أغلب الباحثين في مجال الإدارة كالتنظيم إلى ضرورة القيام بعملية الرقابة كالمساءلة لضمان توجه أدارة المنظمة نحو هدف خدمة المصلحة العامة و أشاروا إلى التدقيقات المؤسسية تضمن تحقيق إذا كاف إداري يتوافق مع المصلحة العامة.
ويرتبط مفهوم المساءلة بعملية الإصلاح الإداري، حيث تعمل المساءلة عند تطبيقيا بالشكل المناسب عمى تخليص المؤسسة من أبعاد المحسوبية وتدفعها نحو الاستقامة والعمل وفق قواعد الجدارة وتكافؤ الفرص، حيث توجه المساءلة الإدارية رسالة هادفة أساسها الإصلاح كالتقويم ورفع كفاءة أداء العاملين، فالقانون التأديبي يحدد الواجبات والجزاءات ويهدف إصلاح الموظفين وتقويمهم ورفع كفاءتهم الإنتاجية والمساءلة هي جملة من العمليات والأساليب التي يتم بمقتضاها التحقق من أن الأمور تسير وفقا لما هو مخطط لها، وضمن أقصي المستطاع، ولذلك فالمساءلة ليس تحقيقا أو محاكمة، بل القصد منها التحقيق من أن الأداء يتم ضمن الأطر التي حددتها الأهداف وفق المعايير المتفق عليها للوصول بالنظام إلى مستوى متميز من الكفاءة والفاعلية.
ولقد أورد الجغبير خمسة مبادئ للمساءلة، هي كما يلي :
- وضوح قواعد النظام وعواقب المخالفات: أن يدرك العاملون إدراكا واضحا للقواعد المطلوب الالتزام بها وعواقب مخالفتها.
- المباشر في تطبيق: إيجاد ارتباط مباشر بين المخالفة وبين الجزاء، وليس معنى ذلك أن يتم العقاب في حال دون الدراسة والتحقيق في المخالفة وأسبابها.
- عدالة تطبيق الجزاء: وذلك بموجب قناعة العاملين بعدالة تطبيق الجزاء حتى يتقبلوها من دون تدمر، وان تكون الجزاءات متوقعة أي يجب أن يكون هناك تحفيز واضح محدد بنوع الجزاء أمن يرتكبها.
- المساواة والتجانس في نوع العقوبة: بحيث يجب أن يفهم العامل أن العقوبة لا ترتبط بالشخص المخالف لكن ترتبط بنوع المخالفة، وأن من يرتكب المخالفة نفسها توقع عليه العقوبة نفسها أسوة بغيره دون تحيز
ونعني بالشفافية : يعتبر آخر رؤساء الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف أحسن من تحدث عن الشفافية في نهايات القرن العشرين، حينما تبني سياسة الغلاس نوست Glass Noste، بمعنى الزجاج الشفاف، الذي لا يخفي الحقائق على الشعوب وهي ضد سياسة الديماغوجية والنفاق السياسي، وقد تم بموجب هذه السياسة الجديدة التي انتهجها غورباتشوف تحرير وسائل الإعلام وإعطائها الحرية والاستقلالية الكافية من دون رقابة الدولة، وقد كان هذا تمهيدا إلى الدخول في تحول ديمقراطي حقيقي في روسيا وريثة الاتحاد المتفكك.
وعليه يجب على الدولة أن تصدر قوانين تهتم بحرية المعلومات وتسمح للجمهور ولوسائل الإعلام المختلفة بالحصول على جميع الوثائق المتعلقة بعمل الحكومة والتشريعات والسجلات المختلفة، ومن هنا يبرز الدور الرقابي الفاعل للمجتمع المدني وكل اللجان الرقابية الأخرى لاسيما البرلمانية منها.
- تعرف الشفافية أنها حق الأفراد بمعرفة ما يحدث داخل المنظمة العامة ليكونوا قادرين على إيضاح واستيضاح نشاط الحكومة.
- إذن فالشفافية والمساءلة تقتضيان أساسا فكرة إصلاح القوانين الإدارية، التي هي جزء من إستراتيجية مكافحة الفساد، كما يجب تفحص خلفية وظروف وضع تلك القوانين موضع التنفيذ من أجل ضمان وجود شفافية ومشاركة شعبية كافية.