محاضرات في مقياس الإثبات الجنائي
لطلبة السنة الأولى ماستر تخصص قانون جنائي وعلوم جنائية
يعتبر موضوع الإثبات الجنائي من أهم الموضوعات التي يهتم بها قانون الإجراءات الجزائية، قصد البحث عن الدليل الذي يثبت وقوع الجريمة ويؤكد نسبيتها إلى شخص معين، وعليه يستند إليه القاضي في حكمه سواء بالإدانة أو البراءة، وهذا ما يعرف ب " إثبات الجريمة "، الأمر الذي جعل الإثبات الجنائي هو العامل الرئيسي في الدعوى الجزائية .
ولهذا يحتل نظام الإثبات درجة بالغة من الأهمية في كافة فروع القانون وتبرز أهمية هذا النظام بصفة قصوى في المسائل الجزائية ذلك أن الجريمة تمس وتضر بأمن المجتمع ونظامه، فتنشأ عنها سلطة الدولة في متابعة الجاني لتوقيع الجزاء الجنائي عليه تحقيقا للردع العام والخاص، حيث أن الأصل براءة المتهم من التهمة المسندة إليه فيجب أن تكفل له قواعد الإثبات للدفاع عن نفسه و إظهار براءته.
وفي ظل العولمة الرقمية التي حققت العديد من الإيجابيات في جميع المجالات ، إلا أنها ترتبت عليها سلبيات عدة أهمها ظهور صور جديدة من الجرائم التي يصعب إثباتها بالنمط التقليدي، الأمر الذي أدى إلى البحث عن تقنيات حديثة والاثبات الجنائي بالأدلة العلمية كوسيلة للكشف عنها وردع مرتكبها و الحد منها .
ومما سبق ذكره يتبين لنا أهمية موضوع الإثبات الجنائي في دراسة القانون الجنائي والعلوم الجنائية، ولهذا فتحرص جميع الدراسات المتخصصة في هذا المجال على إدراجه ضمنها، وهو ماسوف يتم دراسته في محاضرات هذا المقياس .
إشكالية المقياس: ماهية أدلة الاثبات الجنائية وفيما تكمن و كيفية تنظيم المشرع الجزائري لأدلة الاثبات الجنائي وما هو موقفه من أدلة الاثبات الجنائي الحديثة ؟
وللاجابة على هذه الإشكالية تم الاستعانة بالمنهج التحليلي عن طريق تحليل مختلف النصوص القانونية الخاصة بأدلة الاثبات الجنائية والمنهج المقارن مع بعض التشريعات كالتشرع الفرنسي وذلك من خلال التقيد بمجموعة من المحاور المقررة في عرض التكوين الخاص بماستر القانون الجنائي و العلوم الجنائية ، وقد تم ترتيبها على النحو التالي:
محاور المقياس :
المحور الأول: الاطار المفاهيمي للأدلة الجنائية
المحور الثاني: أدلة الإثبات الجنائية التقليدية ، الحديثة، التقنية .
المحور الأول : ماهية الاثبات الجنائي
المبحث الأول : ماهية الاثبات الجنائي
وعلـى هـذا یختلـف نطـاق الإثبـات الجنـائي فـي كونـه لا یقتصـر علـي إقامـة الـدلیل أمـام المحكمـة فقـط، بـل أنـه یتسـع لیشـمل أیضـا إقامـة الـدلیل أمـام سـلطات التحقیـق، وأمـام سـلطات جمع الأدلة أیضا، وهذا یعني أن نطاق نظریه الإثبات الجنائي أوسع من أن ینحصر في مرحلة المحاكمـة، فإقامـة الـدلیل فـي المـواد الجزائیـة هـو تعبیـر یشـتمل علـى معنـى التنقیـب عنـه، ثـم تقدیمه إلي الجهة المختصة، ثم تقدیره، ومن ثم جاز القول بأن الإثبات الجنائي هو البحث عـن الدليل وتقديمه وتقديره.
وعلي هذا فإن طرح الدعوي الجزائیة أمام القضاء یكون إما بعد جمع الاستدلالات، وٕإما بعد التحقیق الذي جرى بمعرفة جهة مختصة، وٕإما بعد تمام الأمرین معا، وهذان الأمران هما مرحلة أولیة من مراحل الإثبات في الأمور الجزائیة.
المطلب الأول : تعريف الدليل الجنائي
وبالرجوع إلى التشريع الجزائري فقد تضمن قانون الإجراءات الجزائية الجديد تحت رقم 25-14 المؤرخ في 03 أوت 2025، ضمن الفصل الأول من الباب الأول من الكتاب الثاني طرق الاثبات في المواد من المادة 349 إلى نص المادة 370 منه، وقد أجاز المشرع الجزائري الإثبات بكافة الأدلة دون التفرقة بين دليل و دليل أخر متى جمعها أثناء مباشرة الإجراءات الجزائية وتؤدي إلى إقتناع القاضي بصحة الواقعة المقدمة لإليه لإثباتها و ذلك من خلال نص المادة 349 منه والتي تضمنت المبادئ العامة للإثبات الجنائي، في حين تناول في باقي المواد طرق الاثبات.
المطلب الثاني : أهمية الاثبات الجنائية
أولا/ الجریمة واقعة تنتمي إلى الماضي، فیكون على المحكمة أن تستعین بوسائل تعید أمامها روایة و تفاصیل ما حدث، وهذه الوسائل هي أدلة الإثبات.
ثانیا/ عدم التوافر أدلة الإثبات أو الإسناد یترتب عنه عدم نسبة الجریمة إلى المتهم، وبالتالي إطلاق سراحه، لأنه في غیاب هذه الأدلة لا تثبت الجریمة، وبالتالي لا تستطیع الدولة أن تطبق سلطتها في العقاب.
ثالثا/ یساعد نظام الإثبات الجنائي في أي تشریع في فهم مدي دیكتاتوریة سیاسة الدولة الإجرائیة أو دیمقراطیتها، مثلا في ظل النظام الأول، فإن البحث عن الأدلة یتم دون ضمانات حقوق الدفاع، عكس الثاني الذي یحترم الحریة الفردیة.
المطلب الثالث : خصائص الاثبات الجنائي
تتصف أدلة الإثبات الجنائي بعدة خصائص نذكر منها:
أولا/ یجب أن یكون الدلیل متضمنا أكبر قدر من الحقیقة لكي یكون الحكم المعتمد علیه أقرب إلي العدالة.
ثانیا/ یتعین أن یتعارض البحث عن الدلیل مع الحریات العامة والكرامة البشریة للمتهم، وتطبیقا لذلك تعین استبعاد التعذیب والاحتیال للحصول علي اعتراف المتهم.
ثالثا/ لم یخصص قانون الإجراءات الجزائیة الجزائري موضعا على حدى لنظریة الإثبات في المجال الجنائي، وٕإنما تناثرت قواعدها بین المواضع المخصصة لمراحل الاستدلال والتحقیق والمحاكمة، وهذا راجع لصعوبة تجمیعها في موضوع واحد، كما هو الشأن لوسائل الإثبات في المواد المدنیة.
المطلب الرابع : الهداف من الاثبات في الإجراءات الجزائية
إن قاعدة الأصل في الإنسان البراءة هي یقین، وعلیه فإن الهدف الأخیر لقواعد الإثبات الجنائي الإتیان بیقین آخر مناقض لیقین البراءة، وهو الیقین بأن المتهم (الذي یفترض بأنه بريء) هو المرتكب للجریمة.
وبهذا تكون وسائل الإثبات هي الأدوات التي یتحول بها الیقین من النقیض إلي النقیض وتبدأ عملیة التحول هذه في صورة شك فیما إذا كان الشخص قد ارتكب الجریمة، وأنه مسئول عنها، فیوجه له الاتهام وتساق الأدلة لتأكد من صحة هذا الاتهام، وهذه الأدلة هي التي تعرف بالإثبات، أما إذا لم یكن الوصول من خلالها إلي مثل هذا الیقین، فیبقي الشك على ما هو علیه، ومن ثمة تستحیل الإدانة، لأن الحكم بالإدانة هو أمر خطیر، إذ یؤدي إلى معاقبة من أدین بارتكاب الجریمة ومجازاته في شخصه أو حریته أو في ماله أو فیهم معا، فیصیبه من هذا وذاك ضرر بالغ حاضرا ومستقبلا، فكان من اللازم وتحقیقا للعدالة وجوب أن یكون ثبوت إسناد الفعل الجرمي إلى المتهم مؤكدا، أي مبنیا على الجزم والیقین لا على الظن و الاحتمال.
المبحث الثاني: قواعد الاثبات الجنائي
يجب معرفة القواعد الخاصة التي تحكم أدلة الاثبات الجنائي عن طريق التطرق الى مراحل الاثبات الجنائي، ثم الأنظمة التي يتأسس عليها، ثم المبادئ التي يقوم عليها الاثبات الجنائي .
المطلب الأول: مراحل الإثبات الجنائي
حتى يتحقق الدليل يجب أ تمر عملية الاثبات بثلاثة مراحل :
1- المرحلة الأولى: والتي تتمثل في جمع عناصر التحقيق والاستدلالت من طرف سلطة الضبطية القضائية المكلفة بالتحري و الاستدلال ، حتى يتم توجيه الاتهام من طرف النيابة العامة التي لها سلطة الاتهام.
2- المرحلة الثانية: هي مرحلة التحقيق الابتدائي لتمحيص الأدلة و إزالة الشك وهي من صلاحيات قاضي التحقيق.
3- المرحلة الثالثة: ألا وهي مرحلة المحاكمة التي تكون من صلاحيات قاضي الموضوع، وهي مرحلة تأكيد الدليل و اقتناع القاضي الجنائي بإدانة أو براءة المتهم .
المطلب الثاني: أنظمة الإثبات الجنائي
إن نظام الاثبات هو المحرك الأساسي للدعوى الجنائية وهو قوام قواعد الإجراءات الجزائية، بدءا من ارتكاب الجريمة الى غاية صدور الحكم النهائي الذي يجب أن يكون مستندا على أدلة صحيحة طرحت للمناقشة في الجلسات القضائية، ، هناك ثلاث أنظمة في الاثبات الجنائي على النحو التالي :
الفرع الأول: نظام الأدلة القانونية ( المقيد )
الفرع الثاني: نظام الإثبات الحر ( المطلق )
الفرع الثالث: النظام المختلط
الفرع الرابع: موقف المشرع الجزائري
الفرع الأول: نظام الأدلة القانونية ( المقيد )
تقوم الفكرة الأساسية لهذا النظام على أن المشرع هو الذي يكون له الدور الإيجابي في عملية الإثبات، وذلك بتحديده المسألة قبول الأدلة ، حيث يحدد أدلة معينة تكون مقبولة في حالة الحطم بالإدانة أو يستبعد أدلة أخرى ، كما أنه هو من يحدد حجية الأدلة مسبقا ، بحيث يحدد القيمة المقنعة لها وفق معايير خاصة به .
في هذا النظام تكون الحقيقة القضائية محددة مسبقا بقواعد قانونية، فالمشرع هو من يضبط وسائل الإثبات، فيقر قواعد قانونية ثابتة تبين للقاضي الجنائي وسائل الإثبات المقبولة، كما تبين موقع هذه الوسائل في السلم التدريجي وقوتها الثبوتية، فدور القاضي يقتصر على اعادة تطبيق القانون ، من حيث توفر دليل الإثبات من عدمه، فإذا لم يتوفر فإنه لا يجوز له أن يحكم بالإدانة المقررة ، حتى ولو كان لديه إقتناع شخصي بأن المتهم الماثل أمامه هو الشخص الذي إرتكب الجريمة.
فهذا النظام يحدد فيه المشرع جملة من الأدلة المقبولة قانونا، ويقيد سلطة القاضي في تقديرها، بمعنى أن هذا الأخير يتقيد في حكمه بالإدانة أو البراءة المنصوص عليها قانونا، دون إعمال لإقتناعه الشخصي في الوقائع الإجرامية المعروضة عليه،لأن إقتناع المشرع في هذا النظام حل محل إقتناع دوره على تطبيق القانون من حيث توفر الدليل وشروطه، إلا أنه في ظل النظام المقيد ال يمكن إعتبار دور القاضي دور آليا محضا، فإذا لم يتوفر الدليل المطلوب يمكنه أن يقضي بعقوبة أخف إذا إقتنع بدليل آخر .
ويتميز هذا النظام بالحد من سلطة القاضي في الدعوى والفصل فيها بتحديد طرق الإثبات وتحديد قيمة كل منها، حيث لا يجوز للقاضي أن يسمح بغير تلك الطرق ولا أن يملك أن يعدل من قيمة الدليل حسب ما نص عليه، فهذا النظام يجعل دور القاضي في تسيير الدعوى و إستجماع الأدلة سلبيا، تقتصر مهمته على الحكم بما يرتبه القانون، وعلى ما يقدمه الخصوم من أدلة قانونية، بما يجعل وظيفة القاضي آلية، ويمنعه من الحكم بالحقيقة الواقعية إذا كان ظهورها له من غير طرق الإثبات التي عينها القانون، مما يباعد كثير بين ظهور الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية.
وبالرغم مما في هذا النظام من دقة حسابية تكفل ثبات التعامل، إلا أنه يباعد ما بين الحقائق القضائية والحقائق الواقعية ، فقد تكون الحقيقة الواقعية ملئ السمع والبصر، ولكنها لا تصبح حقيقة قضائية بحكم القضاء بها إلإ إذا استطيع إثباتها بالطرق التي حددها القانون .
ومن بين سلبيات هذا النظام أنه يسلب القاضي كل سلطة ويمنعه من أن يحكم بما يتفق مع الحقيقة الواقعية إذا كان الوصول إليها بغير طرق الإثبات التي حددها القانون.
الفرع الثاني: نظام الإثبات الحر ( المطلق )
يرى أنصار نظام الإثبات الحر أن الإثبات الجنائي إقناع لعقل القاضي، والإقناع لا يمكن تقييده بقواعد قانونية، بل تقبل لأجله الأدلة والوسائل التي يستطيع الخصوم تقديمها، وللقاضي حرية تامة في تقدير قيمة كل دليل من أدلة الإثبات، وبذلك يصبح الإثبات أمرا نفسيا أو منطقيا أكثر منه قانونيا، ويستند هذا المذهب إلى اعتبار اعتبارات من العدالة المطلقة بالدرجة الأولى، بغية تطابق الحقيقة القضائية مع الحقيقة الواقعية، وكان هذا الإتـجاه معروفا في القانون الروماني، حيث كان للخصوم الحق في تكوين إعتقاد القاضي بأي وسيلة يرونها تؤدي إلى إقناعه، وللقاضي حرية تقدير أي دليل، وعند إنتفاء الدليل أو عدم كفايته يميل القاضي إلى الحكم بحسب الظاهر.
ووفقا لهذا النظام فإن القانون لا يحدد طرقا معينة لإثبات يلتزم بها الخصوم والقاضي، وإنما يكون الخصوم أحرارا في إختيار الأدلة التي يرونها تؤدي إلى إقتناع القاضي، ويكون القاضي حرا في تكوين إعتقاده من أي دليل يقدم إليه، بل إن القاضي حسب هذا النظام يستطيع أن يقوم بدور أساسي في تحري بجميع الطرق التي يرى أنها مؤدية إلى ذلك، وهذا النظام شأنه شأن باقي الأنظمة مثلما له مزاياه له عيوب، فمن مزاياه أن الحقيقة التي يتوصل إليها القاضي وفقا لذلك ، تكون أقرب إلى الصواب والواقع مادام قد إلتزم بالإستقلالية والحياد الكامل.
ومن بين عيوب هذا النظام أنه لا يحقق الاستقرار في التعامل، لإختلاف الأدلة ووزنها من قاضي لأخر بشكل يؤدي إلى إختلاف المبادئ القانونية وتعارضها، ويعطي هذا النظام للقاضي سلطة واسعة لا حدلها، وهو بشر غير معصوم عن الخطأ، مما قد يؤدي إلى إحتمال أن يغلب ميل القاضي على نزاهته، فيحكم بهواه دون أن يكون ثمة رقيب عليه من القانون .
الفرع الثالث: النظام المختلط
الأصل هذا النظام يقوم على الجمع بين الإثبات المقيد والإثبات الحر، فلا يأخذ بالحرية المطلقة ولا بالتقييد الكامل، وإنما يجعل لكل منهما مجالا في الإثبات، وحتى يصدر القاضي حكمه يجب عليه في نفس الوقت أن يكون مقتنعا شخصيا وحائزا للتأكيد القانوني طبقا للشروط التي وضعها المشرع لقبول هذا الدليل.
ولقد أحذ هذا النظام في محاولته التوفيق بين النظامين شكل صورتين، فالصورة الأولى مفادها أن الحكم بالبراءة أو بالإدانة يجب أن يجمع فيه بين التأكيد المعنوي ( الإقتناع الشخصي للقاضي)، وبين التأكيد القانوني( القناعة القانونية ) غير أن هذه الصورة تثور بصددها عائق يتمثل في الحالة التي يفقد فيها هذا التطابق بين التأكيدين، فهنا القاضي لا يمكنه أن يبرئ أو يدين فقط، أما الصورة الثانية وهي وجوب الجمع بين التأكدين في حالة الإدانة فقد، ولقد دافع أنصاره بالقول أن المتهم لا يمكن إعتباره مدانا مادامت الأدلة القانونية لم تتوفر، أو إذا وجدت ولكنها تخالف إقتناع القاضي الشخصي .
يجمع هذا المذهب بين نظام الإثبات الحر ونظام الإثبات المقيد، ففي المسائل الجنائية يقوم هذا المذهب على حرية الإثبات، حيث يكون القاضي حر في تكوين إقتناعه من أي دليل يقدم إليه، ويقوم في المسائل المدنية على التقييد، فيحدد طرق الإثبات ويعين قيمة البعض منها ويترك بعضها الأخر لتقدير القاضي، فتفرض الكتابة مثال لإثبات التصرفات التي تجاوز قيمتها حدا معينا، أو لإثبات بعض العقود.
ويمكن القول أن أساس هذا النظام هو أن وجود الدليل لا يعتبر حجة إلا إذا إقتنع القاضي ، فقد أخذت جميع التشريعات بهذا النظام بما فيها المشرع الجزائري .
الفرع الرابع: موقف المشرع الجزائري
يظهر موقف المشرع الجزائري في الكتاب الثاني الفصل الأول ضمن الباب الأول تحت عنوان طرق الاثبات في المواد 349 -370 من قانون الاجراءات الجزائية الجديد ، فقد أحذ المشرع بالنظام الجر في الاثبات في المادة 349 في فقرتها الأولى " يجوز إثبات الجرائم بأي طريق من طرق الإثبات ..." ، وأخذ بالنظام المقيد في الفقرة الثانية من نفس المادة " الاستثناءات على مبدأ حرية الاثبات ما عاد الحالات التي ينفص فيها القانون على خلاف ذلك " .
ومن خلال استفراء نصوص هذه المواد يتضح أن المشرع في اثبات بعض الجرائم قد حدد سلفا وسائل إثباتها كجريمة الزنا التي جرمها في نص المادة 339 من قانون العقوبات، وحدد وسائل إثباتها في نص المادة 341 من نفس القانون، و عليه يكمن القول أن المشرع إستثناءا و في حالات محددة أخذ من نظام الأدلة القانونية .
المطلب الثالث: مبادئ الإثبات الجنائي
هناك العديد من المبادئ العامة التي تحكم الإثبات في المواد الجنائية، فمنها ما يتعلق بالاثبات كقاعدة حرية الاثبات الجنائي، ومنها ما يتعلق بالدليل الجنائي كقاعدة مشروعية الدليل، ومنها ما يتعلق بالقاضي كقاعدة الاقتناع الشخصي للقاضي.
الفرع الأول : قاعدة حرية الاثبات الجنائي
القاعدة العامة أن الجريمة يمكن لإثباتها بكافة الوسائل الممكنة إلا ما أستثني بنص قانوني، طبقا لنص المادة 349 فقرة 1 ، والتي تطبق أمام الأقسام الجزائية ، و لأطراف الدعوى الجنائية الحرية في لإثبات إدعائهم بكل الأدلة المشروعة، ذلك أن هناك العديد من المبررات لهذا المبدأ أهمها :
- إعتماد الاثبات الجنائي على الإقتناع الشخصي للقاضي بحجية أدلة الاثبات.
- الاثبات الجنائي يرد على وقائع مادية و معنوية ( الركن المادي و الركن المعنوي للجريمة ).
- صعوبة الحصول على دليل مسبق في القضايا الجزائية على عكس القضايا المدنية تعتمد على وقائع و أدلة مسبقة.
- مواكبة نظام الاثبات الحر لمختلف التطورات والجرائم المستحدثة وما يؤكد ذلك إعتماد المشرع على الأدلة العلمية الحديثة.
ولتطيبق هذا المبدأ لا بد من مراعاة الشروط الأتية:
- وجود الدليل ضمن ملف الدعوى ومناقشته في الجلسة .
- الحصول على الدليل بإجراء صحيح.
- أن يكون الدليل مشروع.
الاستثناءات الواردة على حرية الاثبات الجنائي :
على الرغم من أن المشرع أخذ بمبدأ حرية الاثبات الجنائي كأصل عام في نص المادة 349 من قانون الإجراءات الجزائية السالفة الذكر في فقرتها " ..... ما لم ينص القانون على خلاف ذلك " ، إلا أنه أوجب على القاضي الالتزام ببعض الأدلة أو تركها عن طريق:
- إستبعاد بعض وسائل الإثبات كنص المادة 354 من قانون الإجراءات الجزائية الجديد.
- تحديد أدلة معينة لإثبا بعض الجرائم معينة مثل المادة 341 من قانون العقوبات .
- القوة الثبوتية لبعض المحاضر التي لها حجية مطلقة م 351 ق.إ.ج الى أن يطعن فيها بالتزوير، المادة 570 من ق.إ.ج فيما يخص إثبات المخالفات، المادة 254 من قانون الجمارك لها حجية مطلقة ما لم يطعن فيها بالتزوير .
الفرع الثاني : قاعدة مشروعية الدليل الجنائي
لا تكون الأدلة الجنائية مقبولة أمام الفضاء إلا إذا كانت مشروعة،
فمثلاً قاعدة استبعاد الدليل الناجم عن استخدام الحيلة أو الخداع، أو ذلك الناجم عن استعمال التنويم المغناطيسي لعدم مشروعيته تُعتبر قاعدة تتسم بالعمومية والتجريد، رغم عدم تعلقها إلا بتلك الحالة التي أثير ذلك الدليل بشأنها لبيان مدى مشروعيته، حتى ولو لم تعرض دعوى أخرى مماثلة، أي حتى ولو اقتصر الأمر عليها فقط مادام ذلك المبدأ أو تلك القاعدة التي قررت المحكمة فيها عدم مشروعية تلك الوسيلة قد تحددت بأوصافها وشروطها وليست بذاتها، مما يجعل القاعدة صالحة للحكم بمقتضاها في أية واقعة مماثلة، ولذلك يُمكن القول بأن صفة العمومية والتجريد تؤدي إلى أن تُصبح قاعدة المشروعية قابلة للتطبيق على حالات غير محصورة.
ذلك أن هدف قاعدة المشروعية بالإلزام ، فهي كذلك حتى تتحقق الغاية من وجودها وتقريرها من قبل المشرع، وهى تتمثل في عدم لجوء المخاطبين بتلك القاعدة إلى استخدام الوسائل والإجراءات غير المشروعة فى سبيل الحصول على الدليل الجنائي، وذلك كله لضمان حماية حقوق الأفراد وحرياتهم الشخصية .
وحتى يتحقق عنصر الإلزام كسمة من سمات قاعدة المشروعية فقد حرص المشرع فى مختلف النظم القانونية على تقرير جزاءات حاسمة عند مخالفة قاعدة مشروعية الدليل الجنائى ، هذا الجزاء قد يكون جنائيآ أو مدنيآ أو إدرايآ أو يكون كل ذلك والذي يطهر في تعديل المشرع الجزائري لقانون الاجرائات الجزائية التي جرم استعمال بعض الوسائل في الاثبات .
فلا يجوز للقاضي الجزائي ان يستند في حكمه الى أي دليل تم الحصول عليه بطرق غير مشروعة، مثل الإكراه او كان تقديمه في الجلسة نتيجة تجسس مقدم الدليل على خصمه او نتيجة احتيال او سرقة، او كان من تفتيش او قبض باطلين، او تمثل الدليل في اقوال تم تسجيلها من محادثة تليفونية بغير تقرير المدير العام لمصلحة التلغراف والتليفونات وشكوى المجني عليه حتى يوضع جهاز التلفون الذي يستعان به في ارتكاب الجريمة المراد اقامة الدليل لاثباتها تحت المراقبة، بحسبان ان تلك الاجراءات فرضت ضمانة لحماية الحياة الخاصة و الاحاديث الشخصية للمتهم.
ولكن لابد ان يكون الدليل صحيحا لا يشوبه بطلان يتقرر بمخالفة اجراءات القانون، لان مشروعية الادلة تعتبر حدا لا يمكن للقاضي ان يتجاوزه نظرا لما تقوم عليه الخصومة الجنائية من مبدأ حرية المتهم وتعزيز قرينة براءته وليس فقط اطلاق حرية القاضي في الاثبات ممثلا سلطة الدولة في العقاب وهذا ما اشار اليه المشرع المصري في المادة 302 من قانون الاجراءات الجنائية وكذلك المشرع الجزائري افادنا بوجوب صحة ومشروعية الدليل في نص المادة 349 من قانون الاجراءات الجزائية وذلك من خلال التقرير فيها على ان الجرائم تثبت بكل طرق الاثبات " ما عدا الاحوال التي ينص فيها القانون على غير ذلك " ومن مثل هذه الاحوال نجد حالة مشروعية الدليل، حيث يمنع القانون القاضي من بناء حكمه على دليل تم الحصول عليه بالمخالفة لنص القانون.
والجذير بالذكر أن قاعدة مشروعية الدليل الجنائي في حد ذاتها تخضع إلى مبادئ يجب الأخذ بها ومراعاتها و هي كالاتي :
- مشروعية الاجراء كأساس لمشروعية الدليل.
- مشروعية لعض الرسائل العلمية الحديثة.
- قيمة الدليل غير المشروع في الاثبات الجنائي
الفرع الثالث : قاعدة الاقتناع الشخصي للقاضي الجنائي
كرسه المشرع الجزائري في المواد 349 – 370 من قانون الإجراءات الجزائية الجديد ، على القاضي أن يصدر حكمه بناءا على إقتناعه الشخصي بالأدلة المقدمة أمامه في النزاع، حيث نجد المشرع يعطي الحرية الكاملة للقاضي في تقدير الأدلة المعروضة عليه و إصدار حكمه وفقا لإقتناعه الخاص.
يقصد بهذا المبدأ مدى اقتناع القاضي بما يقدم اليه من أدلة في الدعوى، أي مصاحبة الاقتناع ضمير القاضي في جميع مراحل الدعوى، حيث يهدف هذا المبدأ الى الوصول إلى الحقيقة في حكمه سواء بالإدانة أو البراءة، ذلك أن دور القاضي ليس سلبي كالقاضي المدني وإنما دوره إيجابي عن طريق عدم الاكتفاء يما يقدم اليه من أدلة بل بالتحري و البحث حتى يقتنع .
و للإشارة فإن مبدأ الاقتناع الشخصي للقاضي الجزائي يترتب عليه نتيجتين : أن الاثبات الجنائي يكون بكل الطرق ، و وسائل الاثبات تخضع لحرية تقدير كطلق من طرف القاضي الجزائي .
المحور الثاني: أدلة الإثبات الجنائية التقليدية ، الحديثة، التقنية
وفي هذا الشأن نص المشرع الجزائري في المادة 349 ق. إ.ج .ج السالفة الذكر يجوز اثبات الجرائم بأي طريق من طرق الاثبات ما عاد الحالات المنصوص عليها قانونا، و للقاضي في اصدار حكمه وفقا لاقتناعه الشخصي.
ولقد أشار المشرع الجزائري إلى بعض الأدلة المقدمة و التي يمكن للقاضي أن يعتمد عليها، ويمكن إجمالها فيما يلي :
- أدلة الاثبات الجنائية التقليدية ( المبحث الأول ): الاعتراف، شهادة الشهود، الخبرة، المحررات والمحاضر، المعاينة، القرائن.
- أدلة الاثبات الجنائية الحديثة ( المبحث الثاني ) : البصمة الوراثية، الطب الشرعي
- أدلة الاثبات الجنائية التقنية ( المبحث الثالث ): الدليل الالكتروني ، النص الهاتفي، التسجيل الصوتي.
المبحث الأول : أدلة الاثبات الجنائية التقليدية
لم تتفق كلمة الفقه الجنائي بشأن تقسيم الأدلة الجنائية حتى يمكن الكشف عنها والسيطرة عليها بما يؤدي إلى الاستفادة منها في عملية كشف الجريمة والإثبات الجنائي ، حيث يرى البعض من الفقهاء إن للدليل وظيفة يؤديها وعلى أساس ذلك يتم تقسيم الأدلة بحسب الوظيفة التي يؤديها والأثر المترتب عليه ، وصنفت الأدلة على هذا الأساس إلى ثلاثة أنواع هي أدلة اتهام وأدلة حكم وأدلة نفي .
بينما ذهب آخرون إلى تقسيم الأدلة من حيث صلتها بالواقعة المراد إثباتها إلى أدلة مباشرة وأدلة غير مباشرة ، كما ذهب فريق آخر من الفقهاء إلى تقسيم الأدلة من حيث مصدرها إلى أدلة قوليه وأدلة مادية وأدلة قانونية ، في حين قسم آخرون الأدلة الجنائية على أساس قيمتها في الإثبات إلى أدلة كاملة وأدلة غير كاملة (ضعيفة) ، وتتفق جميع هذه التقسيمات على هدف واحد هو التعرف على الجاني واثبات الواقعة بالحجةِ والبرهان ، وعليه سوف نتولى تحديد أنواع الأدلة الجنائية من حيث وظيفتها وقيمتها في الإثبات وعلى النحو الآتي:
لقد قسم لنا الفقه الجنائي بدوره الأدلة الجنائية من خلال ما تقدمه من وظيفة أساسية في الإثبات الجنائي إلى ثلاثة أنواع وهي:
أ- أدلة اتهام: وهي تلك الأدلة التي متى توفرت لدى المحقق فأنها تكون مهيأة لإحالة المتهم إلى القضاء الجنائي مع رجحان الحكم بإدانته .
ب- أدلة الحكم: وهي تلك الأدلة التي يتوافر فيها اليقين التام والقطع الكامل بالإدانة وليس مجرد ترجيح هذه الأدلة .
ج- أدلة نفي: وهي تلك الأدلة التي تسمح بتبرئة ساحة المتهم من خلال نفي وقوع الجريمة او نفي نسبتها إلى المتهم وهذا النوع من الأدلة لا يشترط فيه أن يرقى إلى درجة القطع واليقين ببراءة المتهم بما اسند إليه من جرم ، بل يكفي أن تنال تلك الأدلة ثقة القاضي او تزرع الشك في نفسه فيما توفر لديه من أدلة الإدانة .
وقسم كذلك الفقه الجنائي الأدلة من حيث قوتها في الإثبات الجنائي إلى نوعين أساسيين وهما:
أ- أدلة كاملة: وهي الأدلة التي تلزم القاضي بالحكم بالعقوبة في القانون إذا توفرت وذلك باعتبار أنها كافية لإقناع القاضي والتأثير في حكمه أيا كان اقتناعه الوجداني الخاص وهذه الأدلة تشمل:
1- شهادة الشهود: وينبغي توافر شاهدي رؤية يشهدان على الواقعة على أن يكونا قد رأيا الواقعة بنفسيهما فلا تقبل الشهادة السماعية ، كما ينبغي أن يكونا جازمين في شهادتهما .
2- الدليل الكتابي: ولكي يكون الدليل الكتابي كاملا ينبغي أن يتوافر فيه شرطان الأول- أن يكون رسميا او يعترف به المتهم والثاني- أن يكون متعلقا بالجريمة المرتكبة .
3- القرينة: وهي تعد دليلا كاملا متى كانت واضحة وتفيد بالضرورة إثبات ارتكاب المتهم الجريمة .
4- الإعتراف: إذا أعترف المتهم في دور التحقيق وتعزز بأدلة او قرائن أخرى فانه يصبح كافياً للإدانة او التجريم فإذا تعزز اعتراف المتهم بجريمة سرقة مثلا بضبط المواد المسروقة بحوزته او قيامه بالدلالة على مكان إخفائها ، فان هذا الإعتراف يصبح كافيا للإدانة وان تراجع المتهم عنه أمام محكمة الموضوع ، كما إن الإعتراف بجريمة قتل وتعزز هذا الإعتراف بقيام المتهم بالدلالة على مكان دفن الجثة او مكان إخفائه ملابس او أشياء تعود للمجني علية فأن هذا الإعتراف يكفي للإدانة وان رجع المتهم عن هذا الإعتراف أمام محكمة الموضوع ولكن بشروط وهي:
1- أن يكون الإعتراف مفصلا .
2- أن يكون الإعتراف قد حصل أمام قاضي التحقيق وبحضور عضو الادعاء العام والمحامي المنتدب .
3- أن يكون الإعتراف قد تعزز بكشف الدلالة .
ب- أدلة غير الكاملة: وهي الأدلة الضعيفة او الناقصة التي تجعل المتهم في وضع الاشتباه ، أي بمعنى وجود دوافع للشك تسمح بفتح باب التحقيق بيد انه من الممكن أن تكون أدلة مكملة لغيرها تخول القاضي الاستناد إليها في الحكم .
ومما تجدر الإشارة إليه إن هذا التقسيم يتعارض مع معنى الدليل ، ذلك لأن الدليل يؤدي إلى كشف الحقيقة او يدخل في نفس القاضي اليقين بصحة او عدم صحة أمر ما ، ولأن اليقين لا يحتمل التدرج وإلا كان شكاً في بعض صوره ، لذلك فان الدليل لا يحتمل التدرج أيضا ، فإذا عجز الدليل عن تحقيق اليقين فأنه لا يعد دليلا أصلا ولا يقال عنه انه دليل غير كامل او ناقص او ضعيف او غير ذلك من المسميات ، وعليه فأن اليقين إثبات للشيء فأن لم يتحقق الإثبات أصبح شكا ، ولما كانت الخصومة الجنائية تقوم على ضمان حرية المتهم لا على مجرد إثبات سلطة الدولة في العقاب فأنه يتعين على القاضي ألا يثبت توافر هذه السلطة تجاه المتهم إلا من خلال إجراءات مشروعة تحترم فيها الحريات وتؤمن فيها الضمانات التي رسمها القانون ولا يحول دون ذلك إن تكون الأدلة واضحة على إدانة المتهم طالما كانت هذه الأدلة مشبوهة ولا يتسم مصدرها بالنزاهة واحترام القانون .
ثانياً: الأدلة الجنائية من حيث مصدرها وصلتها بالجريمة
لقد قسم الفقه الأدلة الجنائية تقسيم آخر يعتمد على مصدرها من جهة وعلى صلتها بالجريمة من جهة أخرى وهذا ما سوف نبينه تباعاً:
أ- الأدلة الجنائية من حيث مصدرها
ويمكن تقسيمها الى ثلاثة أنواع وهي:
1- الأدلة القانونية (الشرعية): وهي الأدلة التي حددها المشرع حصرا وعين قوتها في الإثبات ومن ثم لا يمكن للقاضي أن يعطي أي دليل منها قوة اكبر مما أعطاها المشرع ، ويعد هذا النوع من الأدلة الأصل في المسائل المدنية ، في حين لا نجد تحديدا للأدلة في المسائل الجنائية ذلك إن القاضي له الحرية في تكوين قناعته من أي دليل في الدعوى الجزائية .
غير أن الأمر ليس بهذا الإطلاق ففي بعض الحالات يورد القانون استثناءات معينة على حرية القاضي في الإثبات والاقتناع فيمنعه من الأخذ بدليل معين او يمنعه من الحكم بالإدانة إلا إذا توافر لديه دليل محدد فمثلا يشترط وجود أربعة شهود في جريمة الزنا .
2- الأدلة القولية: وهي الأدلة التي تنبعث من عناصر شخصية والتي تصل إلى المحقق على لسان الغير وهي تؤثر في اقتناع القاضي بطريق غير مباشر ويسميها فقهاء القانون بالأدلة المعنوية لأنها تستنبط من واقع الإعترافات والأقوال التي يدلي بها الجناة والمشتبه بهم او في الأقوال التي ترد على لسان شخص ما كالمجنى عليه او الشهود وهي في مجموعها تعد أدلة مجردة لا تستمد من أمور حسية او مادية وإنما يتوصل إليها من أمور معنوية او غير مادية وقد تحتمل الكثير من التأويل وقد لا تتفق مع الحقائق المادية الثابتة كاعتراف المتهم وشهادات شهود النفي أو الإثبات.
3- الأدلة المادية: وهي تلك الأدلة التي يمكن لمسها او رؤيتها كوجود الشيء المسروق في حيازة الجاني او ضبط الجاني حاملاً سلاحا استعمل في تنفيذ الجريمة او آثار أقدام او بصمات الأصابع التي يعثر عليها في محل الحادثة ، فهي تنبعث من عناصر مادية ناطقة بنفسها وتؤثر في اقتناع القاضي بطريق مباشر ويطلق عليها بالأدلة الفعلية لأنها تنتج عن وجود الآثار المادية ذات الارتباط بالجريمة .
ونظراً لما للأدلة المادية من أهمية في الإثبات وذلك لتأثيرها على وجدان القاضي وإحساسه وجب على المحقق أن يسرع في الحصول عليها وتثبيتها بعد ارتكاب الجريمة مباشرة حتى لا تضيع معالمها أو يعتريها النقض أو التلف أو التغيير، ويمكن الحصول على هذه الأدلة بواسطة الكشف على محل ارتكاب الجريمة او التفتيش او الاستعانة بالخبراء من أطباء عدليين وغيرهم من ذوي الاختصاص .
أما بصدد قيمة الأدلة المادية والمعنوية في التحقيق لم تتفق أقوال علماء التحقيق الجنائي في قيمة وأهمية كل من الأدلة المادية والمعنوية ، فذهب بعضهم بأن الأدلة المادية هي الأساس في الإثبات ، أما الأدلة المعنوية فلا يمكن الاعتماد عليها كثيراً ، إذ أن أقوال المتهم تحتمل الصدق أو الكذب وكذلك فإن الشاهد يرى أحيانا الأشياء نتيجة لعوامل شخصية معينة ، وذلك كما تراها العين بل كما تشتهيها النفس ، فقد لا يستطيع الشاهد أن يذكر بصورة دقيقة الساعة التي رأى فيها الجاني وهو ذاهب إلى محل ارتكاب الجريمة او وهو يغادره هارباً ، بل أن بعض الشهود لا يستطيع تحديد تاريخ اليوم او في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار وقع الحادث ، في حين إن وجود طبعات أصابع المتهم في محل ارتكاب الجريمة او وجود الأموال المسروقة في حيازة المتهم أو القبض عليه بعد ارتكابه للجريمة مباشرة وهو ملوث بالدماء وبيده السلاح الذي ارتكبت به الجريمة أمر لا يحتمل الكذب .
ومما تجدر ملاحظته أن الأهمية التي أحرزتها الأدلة المعنوية في الإثبات سابقا تعود إلى أنها كانت تعد الوسيلة الوحيدة للتوصل إلى معرفة الحقيقة ، ذلك لأن الخبرة القائمة على العلوم لم تكن قد تقدمت بعد بشكل يكسب ثقة القائمين بالتحقيق ، ولأن المختبرات العلمية في بداية إنشائها لم تقدم نتائج جيدة حيث كان المشرفون عليها غير ملمين بالعلوم الفنية الحديثة اللازمة لإدارة مثل هذه المختبرات .
في حين ذهب آخرون إلى أن الأدلة المادية قد لا تصدق أحيانا ، ومن ثم لا يمكن الاعتماد عليها بصورة مطلقة فقد يقوم الجاني بوضع خرطوش فارغ مطلق حديثا يختلف عن الخرطوش الذي استعمل في الحادث ومن سلاح آخر او أن يتعمد لبس حذاء أوسع كثيرا من مقاسه فإن آثاره التي سوف تطبع على الطين او الرمل أو التراب ستكون مختلفة عن آثار الحذاء الحقيقي ، أن هذه الأدلة المادية قد تساهم في غش المحقق وتوجه التحقيق إلى شخص بريء او على الأقل تضعف دليل الاتهام قبل الجاني، ولذلك قال هؤلاء العلماء أن الأدلة المعنوية يمكن الاعتماد عليها إذا اتفقت وأن استبعاد شهادة الشهود يقضي على التحقيق .
ومع ذلك نؤيد الرأي القائل بتوائم الأدلة المادية مع الأدلة المعنوية مع تفضيل الأدلة المادية لاسيما بعد التطورات التي حصلت في وسائل الكشف الكيماوية فمن صفات الدليل المادي أنه صادق ولا يكذب او يتذبذب لاستناده على العلم ، بينما الشاهد قد يتراجع عن شهادته قبل انتهاء التحقيق ، ومن ثم فأن الماديات لا تكذب مثلما يفعل الشهود .
ب- الأدلة الجنائية من حيث صلتها بالجريمة
ويمكن تقسيمها الى نوعين:
1- الأدلة المباشرة: إن لهذه الأدلة أهمية كبيرة إذ أنها تؤيد وجود علاقة مباشرة بين المتهم والجريمة المرتكبة، وهذه الأدلة أما أن تكون من الأدلة المادية او المعنوية ، فوجود الأموال المسروقة في حيازة المتهم يعد من الأدلة المادية المباشرة ، أما شهادات الشهود الذين أدركوا وقوع الجريمة بإحدى حواسهم الخمسة فتعد من الأدلة المعنوية المباشرة .
2- الأدلة غير المباشرة: وهي عبارة عن عدة حقائق تتعلق جميعها بحادثة معينة بالذات ، ومن مجموع هذه الحقائق تتكون سلسلة ظروف يمكن اعتبارها أدلة ثبوتية في تلك الحادثة ، وهذه الأدلة بدورها قد تكون مادية أو معنوية ، ومن الأمثلة على الأدلة المادية غير المباشرة العثور على الأداة التي نفذت بها الجريمة في محل ارتكاب الجريمة وبحيازة المتهم وملابسه ملوثة بالدم من نفس فصيلة دم المجني عليه ، ذلك لأن هذه الأدلة لا تؤيد بصورة قطعية علاقة المتهم بالجريمة موضوع التحقيق لاحتمال كون الدم قد نزف من شخص آخر غير المجني عليه وأن السلاح الذي وجد في حوزة المتهم لا يمكن أن يكون بصورة قاطعة نفس السلاح الذي استعمل في تنفيذ الجريمة لوجود كثير من الأسلحة المتشابهة .
أما الأدلة المعنوية غير المباشرة فيمكن تجسيدها في الأمثلة الآتية:
- شهادة الشهود الذين سمعوا المتهم وهو يهدد المجني عليه بقتله .
- شهادات الشهود الذين يفيدون بوجود عداء بين المتهم والمجني عليه .
- شهادات الشهود الذين يفيدون بأنهم رأوا المتهم والمجني عليه يتشاجران على مقربة من محل العثور على الجثة .
- إنكار المتهم معرفة المجني عليه أو رؤيته له يوم الحادث.
ومما تجدر ملاحظته في هذا الصدد أن أهمية الأدلة المباشرة سواء كانت مادية أو معنوية في الإثبات الجنائي أقوى من الأدلة غير المباشرة وذلك لأنها تؤخذ مباشرة من وقائع الجريمة أما الأدلة غير المباشرة فإنها تستنتج من الظروف المحيطة بوقائع الجريمة وهذا من شأنه أن يدعوا للقيام بعملية استنتاج قد تؤدي إلى الخطأ او الصواب .
المبحث الثاني: أدلة الاثبات الجنائية الحديثة ( البصمة الوراثية والطب الشرعي )
المطلب الأول : البصمة الوراثية
الفرع الأول :تعريف البصمة الوراثية
هي الصفات الوراثية التي تنتقل من الأصول الى الفروع و التي من شأنها تحديد هوية وشخصية كل فرد، تتم عن طريق تحليل جزؤ من حامض DNA الذي يحتوي على خلايا جسدية.
أما بالنسبة للمشرع الجزائري فقد خصها بقانون خاص تحت رقم 16- 03 المتعلق باستعمال البصمة الوراثية في الإجراءات القضائية و التصرف على الأشخاص المؤرخ في 23 يونيو 2016، ج ر ، العدد 37 ، ص 5 لسنة 2016، فقد عرفها في نص المادة 2 فقرة 1 " البصمة الوراثية هي التسلسل في المنطقة غير المستقرة من الحمض النووي " .
الفرع الثاني :شروط وضوابط البصمة الوراثية كدليل اثبات جنائي
لقد فرضت النصوص القانونية الحديثة مجموعة من الشروط يجب توافرها في البصمة الوراثية وهي :
- الشروط المتعلقة بالأخلاقيات الطبية
- الشروط المتعلقة بالأشخاص
- الشروط المتعلقة بالبصمة الوراثية
- الشروط المتعلقة بالأخلاقيات الطبية :
تعزيزا لمبدأ حرمة الكيان الجسدي للإنسان وحماية خصوصيته، نص المشرع الجزرائري على الاخلاقيات الطبية وقواعد الأداب الطبية في المرسوم التنفيذي رقم 92- 276 المؤرخ في 06 يوليو 1992 المعدل و المتمم، الذي نص على محموع من المبادئ التي يتعين عللى الطبيب، جراح الأسنان ، الصيدلي، طال الطب وكل من هو مرخص له بممارسة هذه المهنة الالتزام بها في المادة 01 من هذا المرسوم والعديد من المواد والنصوص الأخرى نذكر منها:
المادة 99 التزام الخبير في تقريره بما طلب منه فقط .
المادة 03 من قانون البصمة على الأشخاص المكلفين بأخد العينات البيولوجيا احترام كارمة الأشخاص وحرمة حياتهم وحماية معطياتهم الشخصية ،طيلة مراحل اخذ البصمة الوراثية.
المادة 06 تؤخذ العينات البيولوجيا وفقا للمقاييس و المعايير العلمية المقررة قانونا
المادة 8 يمنع استعمال العينات البيولوجيا المتحصل عليها لأغراض أخرى .
- الشروط المتعلقة بالأشخاص:
لقد حدد المشرع الأشخاص المخول لهم الأمر بأخذ عينات البصمة الوراثية ، والأشخاص الذين تؤخذ منهم عينات البصمة الوراثية .
1- الأشخاص المخول لهم صلاحيات أخذ البصمات الوراثية : لقد حددت المادة 4 فقرتها 1 من قانون البصمة : يخول لوكلاء الجمهورية ، وقضاة التحقيق، و قضاة الحكم الامر بأخذ عينات البصمة الوراثية وفقا للقواعد القانونية,
2- الأشخاص الخاضعون لأخذ البصمات الوراثية : لقد حددهم المشرع في المادة 5 من قانون البصمة كالأتي : " يجوز أخذ العينات البيولوجيا من أجل الحصول على البصمة الوراثية من :
أ- الأشخاص المشتبه فب ارتكابهم جنابات أو جنح ضد أمن الدولة أو الأشخاص أو الاداب العامة أو الأموال، أو النظام العام، أو جرائم مكافحة الفساد، مكافحة المخدرات، تبيض الأموال و تمويل الإرهاب، أو جناية و جنحة أخرى .
ب-الأشخاص المشتبه في ارتكاب اعتداءات على الأطفال أو المحكوم عليهم نهائيا من أجل هذه الأفعال ,
ج- ضحايا الجرائم.
د- الأشخاص الأخرين المتواجدين بمكان الجريمة .
ت-المحبوسين المحكوم عليهم نهائيا بعقوبة سالبة للحرية لمدة تتجاوز 3 سنوات لارتكابهم الجرائم المكورة أعلاه .
ث-المتوفين محهولي الهوية
ج- المفقودين أو أصولهم وفوعهم
ح- المتطوعين
الفرع الثالث : حجية البصمة الوراثية في الاثبات الجنائي
اﻹﺛﺒﺎت اﻟﺠﻨﺎﺋﻲ ﻣﻦ اﻟﻤﻮﺿﻮﻋﺎت اﻟﻤﻬﻤﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻮاﺟﻪاﻟﺴﻠﻄﺎت اﻟﻤﺨﺘﺼﺔ ﺑﻤﻜﺎﻓﺤﺔ اﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﺴﺘﻮﻳﺎتهﺎ. ﻓﺘﻌﻤﻞ ﻫﺬه اﻟﺴﻠﻄﺎت ﻣﻦ اﻻﺳﺘﻔﺎدة ﻣﻦ اﻷدﻟﺔ اﻟﻌﻠﻤﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺴﻬﻢ في اﻛﺘﺸﺎف اﻟﺠﺮﻳﻤﺔ واﻟﺤﺪ ﻣﻨﻬﺎ. وﻋﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أن اﻟﻄﺐ اﻟﺸﺮﻋﻲ واﻷدﻟﺔ اﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ اﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻳﺔ ﺗﻮﺻﻞ اﺟﻬﺰة اﻟﻌﺪاﻟﺔ اﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ إﻟﻰ اﻛﺘﺸﺎف اﻟﺠﺮاﺋﻢ وﻣﻜﺎﻓﺤﺘﻬﺎ،إﻻ أن اﻟﺜﻮرة اﻟﺘﻲ ﺣﺼﻠﺖ في ﻋﺎﻟﻢ اﻟﺠﻴﻨﺎت ﺑﺸﻜﻞ ﻋﺎم وﺗﻘﻨﻴﺔ اﻟﺤﻤﺾ اﻟﻨﻮوي DNA ﺑﺸﻜﻞ ﺧﺎص ودﺧﻮﻟﻬﺎ في ﻣﺠﺎل اﻹﺛﺒﺎت اﻟﺠﻨﺎﺋﻲ في اﻟﻮﻗﺖ اﻟﻤﻌﺎﺻﺮ ﻳﻌﺪ ﺗﺤﻮﻻ ً ﻣﻬﻤا في ﻣﺠﺎل اﻷدﻟﺔ اﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ وﻛﺸﻒ اﻟﺠﺮاﺋﻢ، وﻫﺬا اﻟﺤﻤﺾ أو ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻰ ﺑﺎﻟﺒﺼﻤﺔ اﻟﻮراﺛﻴﺔ ﻫﻮ اﻟﻤﺴﺆول ﻋﻦ ﻧﻘﻞ اﻟﺼﻔﺎت اﻟﻮراﺛﻴﺔ، وﻣﻦ ﺛﻢ ﺗﻄﺎﺑﻖ اﻟﺼﻔﺎت أو اﻟﻌﻴﻨﺎت ﺑﻴﻦ ﻣﻦ ﻳﺘﻬﻢ ﺑﺠﺮﻳﻤﺔ وﻣﺎ ﺗﺄﺧﺬه اﺟﻬﺰة اﻟﻌﺪاﻟﺔ ﻣﻦ آﺛﺎرﻫﺎ في ﻣﺴﺮح اﻟﺠﺮﻳﻤﺔ أو ﻣﻦ ﻣﻮﺿﻮﻋﻬﺎ.
وفيما يخص موقف المشرع الجزائري لم يتطرق الى حجية البصمة الوراثية في الاثبات الحنائي بصفة صريحة، لكن يمكن القول أنه أشار اليه بصفة ضمنية من خلال مايلي :
- اعتماد المشرع على البصمة الوراثية عن طريق انشاء أكبر صرح علمي وإفتتاح مخبر البصمة الوراثية .
- وضع نص خاص بالبصمة الوراثية على غرار وسائل الاثبات الجنائية الأخرى بقانون 16-03.
- اخضاع قانون البصمة الوراثية للمبادئ الدستورية .
أما بالنسبة للراي الفقهي فقد اختلف الفقهاء في تقدير حجية البصمة الوراثية في الاثبات الى قسمين :
الاتجاه الأول : اعتبر البصمة الوراثية جحية قاطعة في الاثبات لا تقبل الشك، ذلك أن النتائج المتوصل اليها دقيقة وعلمية .
أما بالنسبة الاتجاه الثاني اعتبر البصمة الوراثية مجرد قرينة بسيطة لامكانية تطابق البصمة الوراثية بين التوأم الحقيقي .
المطلب الأول : الطب الشرعي
إنّ کشف القضايا الجنائية الواقعة على الحق في الحياة بصفة خاصة نظرًا لما قد تتسم به من غموض لکشف حقيقة مرتکبيها، يتطلب اللجوء إلى أشخاص ذوي خبرة طبية فنية دقيقة على مستوى عالٍ من التخصص، إذ فرض التطور العلمي تطور العديد من العلوم والاختصاصات الطبية التي تساعد، على مکافحة السلوک الإجرامي والوصول إلى الدليل في مجال الإثبات الجنائي، لذلک فقد ظهر اختصاص طبي مستقل أطلق عليه مسمى ”الطب الشرعي” وأصبح من أهم الوسائل خاصة بالنسبة للمسائل العلمية الحديثة التي يستند إليها القاضي للبحث عن الدليل الجنائي ،خاصة بالنسبة للمسائل الفنية البحتة التي لا تدرکها معارفه ،فعندها تکون القضية برمتها في يد خبير الطب الشرعي المنتدب لهذا الإجراء والذي لتقريره عظيم الأثر على قناعات القاضي الجنائي بصفة خاصة إذا توافق التقرير مع ما بقناعة القاضي من الإدانة أو البراءة. ولکن حتى يسفر هذا الفحص الطبي عن نتائج حقيقية ولها هذا الأثر العظيم يتوجب على خبير الطب الشرعي العمل وفق ضوابط قانونية ثابتة منصوصة، کذلک إن موضوع کشف الجريمة وإثباتها والتوصل إلى الجاني في الوفيات المشتبه فيها من بين أهم الأمور التي تستوجب عرضها على الخبرة الطبية الشرعية، والتي تزود الجهات المختصة بالإجابة اللازمة والدقيقة والمساعدة في کشف الجريمة والوصول إلى الحقيقة.
يعتبر الطب الشرعي أحد الطرق العلمية التي تقود المحقق إلى كشف الجريمة والتعرف على الحقائق، وجمع الأدلة والقرائن التي تساعده على كشف مرتكبي الجريمة وتقديمهم للمحاكمة ومع تطوّر الجريمة أصبح اللجوء إلى الوسائل العلمية لاستخراج الأدلة والقرائن التي لا تقبل دحض ومواجهة المجرمين بها أمرا ضروريا بل حتميا.
الفرع الأول : تعريف الطب الشرعي
وفيما يتعلق بالمشرع الجزائري فإنه لم يخص الطب الشرعي بتعريف واقتصر بذكر بعض القواعد المتعلقة بكيفية ممارسة مهنة الطب الشرعي وذلك من خلال القانون المتعلق بحماية الصحة وترقيتها، وكذا ما مدونة أخلاقيات ممارسة مهنة الطب ومختلف المراسيم التنفيذية المعدلة والمتممة.
الطب الشرعي هو الفرع الطبي الذي يسعى إلى دراسة العلاقة بين الطب و القانون و ذلك من خلال إنارة الجهاز القضائي بالأدلة العلمية التي يتوصل إليها الطبيب الشرعي، و التي يكون لها دور فعال في الكشف عن الجرائم المطروحة أمام القضاء التي لم تستطيع الأدلة الأخرى من إزاحة الغموض عليها، و يتجلى ذلك في معاينة الجروح و البحث عن أسباب الوفاة من خلال التشريح و دراسة الوسائل المستعملة في إحداث الوفاة و غيرها من الميادين التي تستوجب تدخل الطبيب الشرعي.
الفرع الثاني: وسائل الطب الشرعي
يمكن حصر وسائل الطب الشرعي في التشريح، الشهادة الطبية، الاستعراف، التحاليل الطبية في حالة السموم والكحول، البصمة الوراثية، بالإضافة إلى الخبرة الطبية.
أولا: التشريح: يعتبر التشريح من أهم وسائل الطب الشرعي يتم تقريره من طرف السلطة القضائية لمعرفة سبب الوفاة عند حدوثها في صورة غير طبيعية، وكذا الوسيلة التي استخدمت في ارتكاب الجريمة[1]. فغاية التشريح هي الوصول إلى ما إذا كانت نتيجة خنق أو وخز أو ضرب بوسائل حادة أو قتل بسم أو صعق كهربائي وغيرها، وكذلك استنتاج زمن الوفاة وعمر الجنين داخل الرحم لمعرفة إذا ما كان ولد حيا أو ميتا أو كان مولودا ميتا.
ويتم إجراء التشريح بموجب طلب يرفق بالجثة يتضمن مجموعة من المعلومات تشمل الصفات والخصائص الخاصة بالجثة، وصف الحالة التي وجدت عليه الجثة، الموضوع الذي كانت فيه، الإصابات الموجودة، الطريقة والأسلحة والأدوات التي استخدمت في إحداث الإصابات
والجروح وأدت إلى إحداث الوفاة، إذا اشتبه في وجود عنف، طبيعة العنف، السبب الظاهري للوفاة كما ذكر في محضر الشرطة وكذلك الأشياء التي يتم ضبطها، ويتم إرسالها مع الجثة من إفرازات وملابس وأسلحة وقيء...،ويوقع من طرف السلطة المختصة ويذكر فيه تاريخ تحويل الجثة وتجدر الإشارة إلى أن الطلب يحمله الشرطي الذي يرافق تحويل الجثة للطبيب.
يختلف التشريح الشرعي عن التشريح الطبي العلمي الممارس في المستشفيات، فالأول يتم كما سبق الإشارة بطلب من السلطة القضائية لكشف الأسباب المحتملة للجرائم، أما التشريح العلمي فيجري بهدف البحث العلمي بعد الحصول على إذن من أهل المتوفي، وهو خاص بطلبة كلية الطب، حيث يقوم الطلاب بتشريح جثث الموتى تحت إشراف الأطباء لمعرفة تركيب الجسم وأعضائه الظاهرة ومفاصلها، ومعرفة أجهزته وغيرها من الأغراض العلمية الخاصة بجسم الإنسان لإعدادهم كأطباء .
الفرع الثالث : مجالات الطب الشرعي
والتي يمكن اجمالها ضمن ثلاث مجالات على النحو الاتي :
1- الطب الشرعي الاجتماعي : والتي تدخل ضمن حيز قانون العمل و الضمان الاجتماعي حيت يتدخل الطبيب من الناحية الاجتماعية
2- الطب الشرعي المهني: يتعلق بمهنة الأطباء في حد ذاتها والممارسات غير القانونية ، كأخلاقيات الطبية، مهنة الطب، السر الطبي.
3- الطب الشرعي الجنائي: يهتم بدراسة وتشخيص الأثار التي يتلاكها الجاني في مسرح الجريمة ، الكشف عن هوية الجثة ، دراسة مختلف الجوانب البيولوجية الاجتماعية للوفاة، تشريح الجثة.
الفرع الرابع : الطبيب الشرعي
أولا : تعريف الطبيب الشرعي
هو أحد المساعدين للجهاز القضائي فيتدخل في الميدان الجزائي و يظهر ذلك في البحث عن الدليل، ويمارس الطبيب الشرعي مهامه في إطار قانوني محدد ويتدخل طبقا للقواعد المنصوص عليها في القانون رقم85-05 المؤرخ في 16فيفري 1985 والمتعلق بحماية الصحة وترقيتها، المعدل والمتمم بالقانون رقم 90-17 المؤرخ في جويلية 1990،وكذلك القواعد المذكورة في مدونة أخلاقيات الطب التي تضمنها المرسوم التنفيذي رقم 92-276المؤرخ في 06جويلية 1992وباعتبار الأعمال التي يقوم بها الطبيب الشرعي بمثابة خبرة طبية في مسائل فنية يستعين بها القضاء، إذن فهو يتبع الإجراءات المنصوص عليها في المادة 143وما يليها من قانون الإجراءات الجزائية.
و يتم تسخيره من طرف القاضي عندما يرى موجبا لذلك و يحدد له مهامه و يراقب أعماله ، إن الدكتور يصبح طبيبا بقرار من رؤسائه لكنه لا يكون خبيرا في الطب الشرعي إلا بقرار انتداب من القاضي.
ثانيا: شروط تعيين الطبيب الشرعي وواجباته
لكي يقوم الطبيب بمهام الطب الشرعي يجب أن يكون قد أتم دراسة التخصص، كامل الأهلية محمود السيرة وحسن السمعة بمعنى أنه لم يسبق الحكم عليه في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة وتقع على عاتق الطبيب الشرعي واجبات عليه الالتزام بها عند أدائه المهمة الموكلة إليه من قبل الجهات القضائية وهي:
1_الموضوعية في أداء عمليات الخبرة الشرعية: على الطبيب الشرعي أثناء القيام بإدارته لعمليات الخبرة الشرعية أن يعطي للبراهين المادية الدرجة الأولى من الأهمية، وكذا الالتزام بالموضوعية في تفسير الوقائع فيتجنب الإدلاء برأيه في قضية ما قبل إجرائه للمعاينة أو فحص مع وجوب أن يكون الفحص كاملا، كما أنه يجب أيضا أن يعطي الحوادث قيمتها الحقيقية فيجردها من كل عناصرها العاطفية التي تشوبها لأن هذه الخبرة يمكن أن تدين شخص أو تبرئه.
2-الحذر: يلزم الطبيب الشرعي بالحذر عند قيامه بالفحص والمعاينة، وبذل العناية الكافية واللازمة لعدم الوقوع في الخطأ، متبعا في ذلك الإجراءات ومراحل نشاطاته الطبية والمعطيات العلمية المتعارف عليها.
3- على الطبيب الشرعي أن يتحلى بالصدق والأمانة ويباشر الأعمال المنوطة إليه بكل إخلاص ونزاهة ولا يترك لنفسه سبيلا للتغير وتسوية الحقيقة أو الارتشاء عملا بالواجبات الطبية ومراعاة لحرمة المهنة واليمين المؤداة وإلا فإنه يقع تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في المادة238 من قانون العقوبات.
4 -الالتزام بكتمان السر المهني: يلزم الطبيب الشرعي بالتزام السر المهني حسب المادة 99من قانون أخلاقيات الطب والمادة 206من القانون رقم 85-05المتعلق بحماية الصحة وترقيتها، ولهذا تنص المادة 235من نفس القانون على أنه "تطبق العقوبات المنصوص عليها في المادة 301من قانون العقوبات على من لا يراعي إلزامية السر المهني المنصوص عليه في المادتين 206 و226من هذا القانون.
ثالثا : هيكلة الطب الشرعي في الجزائر
1- اللجنة الطبية الوطنية للطب الشرعي : لديها مهمة استشارية لدى وزارة الصحة.
2- مصلحة الطب الشرعي: التي تتمركز ضمن المراكز الجامعية ، المستشفيات العمومية
3- قسم العلوم الطبية والطب الشرعي التابع للمعهد الوطني للأدلة الجنائية و علم الاجرام: الموجود على مستوى الجزائر العاصمة .
رابعا : حجية الطب الشرعي في الاثبات الجنائي
بعد معاينة الحالة الطبية القضائية أو بعد معاينة مسرح الجريمة وتشريح الجثة ، و ضبط الأدلة المادية الجرمية بتنظيم تقرير طبي شرعي قضائي لجهة الاختصاص يهدف هذا التقرير الطبي الشرعي إلى الإجابة عن جميع التساؤلات و الاستفسارات التي تهم سلطات التحقيق أو القضاء فيما يتعلق بتلك الواقعة أو الجريمة ،ومن بين أهم التساؤلات التي يهدف التقرير إلى الإجابة عنها :معرفة سبب الوفاة و تحديد زمانها و تحديد الأداة المستخدمة أو السلاح المستخدم في إحداث الإصابات ، وتحديد حيوية الإصابات من عدمها ، وتحديد الإصابة القاتلة ، و إعطاء الرأي الطبي الشرعي حول نوعية الحادثة.
فإذا كانت النصوص القانونية قد كرست مبدأ اقتناع الشخصي ليطبق أمام جهات الحكم هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإنه يجري به حتى أمام جهات التحقيق ، و هو يستخلص ضمنيا من أحكام المادة مئة و اثنان و ستون من قانون الإجراءات الجزائية في فقرتها الأولى و التي تنص "إذا رأى قاضي التحقيق أن الوقائع لا تكون جناية أو جنحة أو مخالفة أو أنه لا توجد دلائل كافية ضد المتهم ، أو كان مقترف الجريمة ما يزال مجهولا أصدر أمر بألا وجه للمتابعة ...." فعندما يبحث قاضي التحقيق في وجود أدلة مكونة للجريمة ضد المتهم ، فإنه يقرر كفاية أو عدم كفاية الأدلة ، و بالتالي فإنه يقرر الإحالة أو اصدار أمر بأنه لا وجه للمتابعة حسب اقتناعه الشخصي.
و إذا كانت هذه الأدلة تتدرج في قوتها الثبوتية ، ومن ثمة سيكون للقاضي المحقق حيز من الحرية في اتخاذ أي أمر حسب اقتناعه ، إذا تعلق الأمر بدليل غير قطعي كشهادة الشهود أو المعاينة أو حتى الاعتراف ، إلا أن الأمر يختلف عن الحالة التي يجد فيها القاضي نفسه أمام تقرير طبي شرعي فاصل في مسألة فنية قد يتوقف عليها إصدار الأمر و لا يستأنس من نفسه الكفاية العلية اللازمة للفصل فيها، فهنا و إن كان هذا الدليل يخضع نظريا كغيره من أدلة الإثبات إلى السلطة التقديرية للقاضي و إلى مبدأ حرية الإثبات ، إلا أنه ومن الناحية العملية فكثيرا ما يجد هذا الأخير نفسه مضطرا للأخذ بهذا النوع من الأدلة ،و يرجع ذلك إلى عدم قدرة قاضي التحقيق على مناقشة الدليل العلمي او الطبي لعدم تحكمه في هذا المجال من المعرفة من جهة أخرى ، الأمر الذي بدفعه إلى إهمال اقتناعه الشخصي و إعمال الدليل الطبي الشرعي أو العلمي الذي قد يشكل في بعض الأحوال مصدرا من مصادر اليقين في مجال الإثبات كالحالة التي يتطلب فيها التحقيق استخدام البصمة الوراثية من أجل معرفة هوية الجثث المجهولة.
ومما سبق يظهر أن الدليل الطبي الشرعي و إن كان يلعب دورا بالغ الأهمية في التأثير على الاقتناع الشخصي للقاضي الجنائي في كافة مراحل الدعوى العمومية عن طريق إقامة الدليل القطعي ليس فقط على قيام الجريمة بأركانها القانونية ، و إنما كذلك حتى في إسنادها للتهم .
و استنادا إلى العبارة المشهورة "إذا كان القاضي قاضي قانون فإن الخبير قاضي وقائع، و من هنا تبرز القيمة القانونية للتقرير الذي يحرره الطبيب الشرعي و يتوقف عليه مصير ملفات عديدة مطروحة أمام القضاء تمس حرية طرف و حقوق أطراف أخرى و بصفة عامة "إدارة الملف الجزائي إدارة فعلية و فعّالة" و هو عين الإصلاح.
أما بالنسبة للمشرع الجزائري لم ينص صراحة على مدى حجية تقرير الطبيب الشرعي في تكوين إقتناع القاضي الجزائي في مجال الاثبات الجنائي، إلا أنه بالرجوع الى نصوص الاثبات في قانون الإجراءات الجزائية الجديد يتضح أن المشرع ترك المجال واسع أمام القاضي الجنائي للأخذ بكل الوسائل التي تساعده في إقتناعه الشخصي بغض النظر النظر عن درجو حجيتها في الاثبات.
- المادة 349 الفقرة 2 ق.إ.ج .ج للقاضي أن يصدر حكمه تبعا لإقتناعه الشخصي.
- المادة 239 من ق.إ.ج.ج القانون لا يلزم القضاة بتقديم تقرير عن الوسائل التي تم التوصل اليها في تكوين اقتناعهم الشخصي.
- المتدة 356 الفقرة 2 من ق.إ.ج.ج للقاضي الحق في رفض الخبرة أن تسبيب ذلك، بمعنى أنه يمكن للقاضي الجنائي رفض طلب تعين خبير لكن يجب عليه التسبيب.
ومن خلال استقراء هذه النصوص يتضح أن المشرع لم يجعل للطب الشرعي حجية خاصة، وبذلك ترك المجال أمام القاضي الجنائي لحسم الأمر فله أن يأخذ بتقرير الطبيب الشرعي أو أن يستبعده أو يستبدله بتقرير أو خبرة أخرى .
الوسائل التقنية في الاثبات الجنائي :
1- الوسائل الإلكترونية في الإثبات الجنائي :
وتشمل الأدلة الرقمية المستمدة من الأجهزة والشبكات، مثل رسائل البريد، والمحادثات، وسجلات المكالمات، والبيانات الوصفية، وتُستخدم لإثبات الجرائم العادية والإلكترونية، لكنها تتطلب إجراءات فنية وقانونية دقيقة لضمان موثوقيتها أمام القضاء نظراً لسهولة التلاعب بها، مع الاعتماد على تقنيات مثل البصمة الرقمية والذكاء الاصطناعي في التحقق منها، ويخضع تقديرها لسلطة القاضي ضمن ضوابط شرعية وإجرائية محكمة.
أنواع الأدلة الإلكترونية وأمثلتها:
- الرسائل الإلكترونية والاتصالات: رسائل البريد الإلكتروني، المحادثات عبر تطبيقات مثل واتساب، التليجرام، والرسائل النصية.
- سجلات الأجهزة: سجلات المكالمات، سجلات التصفح، سجلات المعاملات البنكية والبطاقات الآلية.
- البيانات الوصفية (Metadata): معلومات حول الملفات، مثل وقت الإنشاء، تاريخ التعديل، وهوية المستخدم.
- المحتوى الرقمي: الصور، الفيديوهات، الملفات الصوتية، وبرامج الحاسوب نفسها.
التحديات القانونية والتقنية:
- الطبيعة غير الملموسة: صعوبة التعامل مع دليل يتكون من معلومات وأرقام وطاقة، وليس مادة ملموسة.
- سهولة التلاعب: إمكانية التشفير، الإتلاف، التزوير (مثل تقنية التزييف العميق "Deepfake")، أو الإخفاء.
- غياب التشريعات الكافية: الحاجة إلى قوانين مواكبة للتطورات التقنية لتنظيم الحصول على هذه الأدلة واستخدامها.
- ضمان موثوقية الأدلة الإلكترونية:
- البصمة الرقمية (Digital Fingerprinting): استخدام خوارزميات رياضية لإنشاء بصمة فريدة لكل ملف للتحقق من سلامته وعدم التلاعب به.
- التحقيق الجنائي الرقمي: استخلاص البيانات وتحليلها وفقاً لتقنيات علمية سليمة لضمان قبولها قضائياً.
- خبرات مختصين: إشراك خبراء الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي في لجان التحقيق.
- التحقق من سلامة الإجراءات: التأكد من مشروعية الحصول على الدليل واحترام المبادئ الإجرائية.
دور القاضي:
- يمنح القاضي سلطة تقديرية واسعة في قبول الدليل الإلكتروني والحكم به، ضمن نظام الإثبات الحر أو المختلط.
- يجب أن يكون تقييمه محكوماً بضوابط شرعية وإجرائية لضمان الوصول للحقيقة