البحث عن أرضية أخلاقية في الأسواق المالية

1. البحث عن ارضية اخلاقية في الاسواق المالية

على الرغم من الجهود المبذولة لإصلاح المشكلات الأخلاقية التي عانت منها بعض الشركات من خلال مفاهيم وتطبيقات الحوكمة، إلا إن الاقتصاد العالمي مازال يعانى من العديد من مجموعة من الاضطرابات في الأسواق الدولية الناجمة إما عن خلل هيكلي في النظام التقليدي الذي يحكم النشاط المالي والاقتصادي مثل الأزمة المالية التي عصفت بآسيا، أو ناجمة عن خلل أخلاقي وبروز ممارسات من الغرر والاحتيال والسعي المادي نحو الربح حيث انتابت الأسواق المالية الشهور الماضية سلسلة من الأزمات كان أخرها أزمة الرهن حيث أدى التوسع في إصدار السندات والرهون العقارية إلى ظهور نوع من المشتقات يسمى صناديق التحوط (Hedge Funds). ويعتمد هذا النوع من المشتقات على جزء بسيط من قيمة السند آنيًا أو مستقبلا أملا في تحقيق ارتفاعات في قيمة السندات في المستقبل حيث يعتمد هذا النوع من الاستثمار على الاستثمار في السندات المغطاة بأصول عقارية أو بأصول أخرى.

وتتصف بالقدرة السريعة على التسييل مما دفع العديد من مؤسسات الوساطة المالية للتوسع في هذا الاستثمار وقد بلغت القيمة الإجمالية لهذه السندات نحو 503 مليار دولار عام 2006 ويتصف هذا النوع من الاستثمارات الأجنبية في معظمها بظاهرة الريعية غير المنتجة على الصعيد العالمي، ويقف وراءها شبكة كبيرة من المضاربين الذين يسعون للحصول على أكبر دخل ممكن دون أن يكون ذلك ناتجًا عن استثمار حقيقي لإنتاج السلع والخدمات، وإنما نتيجة للاستثمار المالي القائم على المضاربة بهدف المضاربة. ووفقًا لبنك الاحتياط (البنك المركزي الأمريكي Fed)، بلغت إجمالي القيمة السوقية للعقارات السكنية ما يقرب من 21 تريليون دولار أمريكي في يونيو 2007.

 وقد بلغت قيمة الديون المضمونة برهن مستحق السداد على الأُسَر ما يقرب من 10 تريليون دولار أمريكي. ومن المتوقع أن تؤدي أزمة الرهونات العقارية إلى تحقيق خسارة بقيمة 2 تريليون دولار أمريكي في الثروة السكنية وانخفاض الاستهلاك بحوالي 75 مليار دولار أمريكي في غضون سنتين، فضلاً عن انهيار بعض الصناديق العقارية مثل إعلان بنك بي إن بي باريبا في 9 أغسطس الماضي عن إغلاقه ثلاثة من صناديقه بعد معاناتها من عدم سيولة للأصول (الصناديق) في الوقت الذي أعلن فيه في وقت سابق أن سيولة الصناديق الثلاثة متوافرة بمثابة الشرارة الثانية التي أطلقت الأزمة وأكدتها ذلك بعد إعلان سابق من شركة بيرسترن الاستثمارية عن انهيار اثنين من صناديق التحوط التي تديرها بعد التراجع الذي شهدته مما أدى إلى حمى التخلص من الاستثمار في هذا النوع من الصناديق حيث حول المستثمرون ما يعادل 49 مليار من السندات المغطاة بأصول إلى سندات الخزانة الأمريكية في غضون أسبوع واحد. كما انهار أيضًا بنك بير ستيرنز Bear Stearns خامس أكبر البنوك الاستثمارية في الولايات المتحدة الأمريكية من جراء أزمة الرهونات العقارية، حيث بيع بسعر دولارين للسهم بعد أن وافق جيه بي مورغان تشيرJP Morgan Chase على شرائه بحوالي 236 مليون دولار لكي ينتهي وجود بنك بير ستيرنزBear Stearns كبنك مستقل منذ 85 سنة 

وقد وجدت بعض المصارف التقليدية العربية والخليجية والأجنبية ضالتها في النموذج المالي والمصرفي الإسلامي حيث أن هذا النموذج يشهد نموًا وطلبًا كبيرًا سواء من جانب المسلمين المقيمين في الغرب المتعطشين للتعامل مع المؤسسات المالية الإسلامية، أو عبر ارتفاع معدلات دخول الدين الاسلامى الآخذة في النمو، بالإضافة إلي وجود فئات وشرائح من العملاء غير المسلمين الذين يرغبون في التعامل مع المؤسسات المالية الإسلامية انطلاقا من أسس أخلاقية قريبة الشبه بالأخلاق الإسلامية فضلا عن محدودية المخاطر لارتباط التمويل الإسلامي بسوق النقد وسوق الأصول وتمتعه بقيم وأخلاق مهنية تحكم نموه وتطوره مثل الالتزام بالحلال واجتناب الحرام ومنع الاحتكار، وحرية التملك بوسائله المشروعة والتراضي والصدق والأمانة وعدم الغش والغرر وحسن القضاء والتيسير على المعسر وتعظيم قيم العمل وتحفيز الإنتاج وتشجيع الادخار وترشيد الاستهلاك وتحقيق التكافل والعدالة في توزيع الثروة.

وفى الوقت نفسه تشهـد الأسواق العـالمية توجهـا دوليـاً لتبى آليات وأدوات العمل المصرفي والاستثماري الإسلامي من قبل مؤسسات مالية تقليدية عريقة مثل ميريل لينش Merrill Lynch وبنك باريس الوطني Banco National de Paris وروبرت فلمنج Robert Flemmings وجـولدمان ساكس Goldman Sacks ولنجتون مانجمنت Willington Management وعلى مستوى دول أخرى مثل المملكة المتحدة، وكندا واستراليا، وسويسرا، وألمانيا وهونج كونج، حيث بلغت المعاملات التي تتفق وأحكام الشريعة الإسلامية درجة عالية من الانتشار والتوسع، وهو ما جعلها تمتد إلى مختلف أرجاء العالم لمواكبة المستجدات الاقتصادية.

وفيما يتعلق بأسواق رأس المال، فقد تم الإعلان عن مؤشرين في عام 1999 لتوفير مقياس لأسعار الأسهم من أجل الاستثمار من جانب المؤسسات المالية الإسلامية، هما مؤشر سوق “داو جونز الإسلامي Dow Jones وسلسلة المؤشر الإسلامي العالمي للبورصة فاينانشيال تايمز Financial Times. وقد بلغ حجم التعاملات في داو جونز حوالي 10 تريليون دولار أمريكي في أكثر من 40 دولة حول العالم ، كما أشاد صندوق النقد الدولي في تقرير صدر عنه في الربع الأخير من 2007 وأعده مجموعة خبراء في إدارة النظم المالية وأسواق رأس المال  بحالة التوسع السريع الذي يشهده التمويل الإسلامي وأدى ذلك إلى طفرة في معاملات التوريق الإسلامي تمخضت عن زيادة إصدارات الصكوك بمقدار أربعة أضعاف من 7.2 مليار دولار في عام 2004 إلى 27 مليار دولار في عام 2006.